الإرهاب النفسي الرقمي: عندما تتحول الشاشات إلى مصدر للخوف

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في الماضي، كان الخوف يرتبط غالبًا بتهديدات ملموسة يمكن رؤيتها أو الشعور بها بشكل مباشر، أما اليوم فقد أصبح جزء كبير من القلق والخوف يصل إلينا عبر شاشة صغيرة نحملها في أيدينا طوال الوقت. ومع اتساع استخدام المنصات الرقمية، ظهرت ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ”الإرهاب النفسي الرقمي”، حيث تتحول بعض المساحات الإلكترونية إلى بيئات تنتج الخوف والضغط النفسي بصورة مستمرة.
*ما هو الإرهاب النفسي الرقمي؟ .
لا يتعلق الإرهاب النفسي الرقمي بعمليات إرهابية بالمعنى التقليدي، بل يشير إلى حالة من الترهيب المعنوي والتأثير النفسي الناتج عن التعرض المتكرر للمحتوى السلبي، وحملات التشهير، والتنمر الإلكتروني، والشائعات، وخطابات الكراهية، والمشاهد الصادمة التي تنتشر بسرعة هائلة عبر المنصات الرقمية.
*من الخوف الفردي إلى القلق الجماعي
ما يميز البيئة الرقمية اليوم أن الخوف لم يعد تجربة فردية، بل أصبح ظاهرة جماعية تنتقل بين المستخدمين بسرعة كبيرة. فخبر غير مؤكد، أو مقطع فيديو صادم، أو حملة منظمة للهجوم على شخص أو مؤسسة، قد تتحول خلال ساعات إلى حالة من القلق الجماعي يتفاعل معها آلاف الأشخاص.
وتسهم خاصية المشاركة الفورية في مضاعفة التأثير النفسي، إذ ينتقل المحتوى المثير للخوف من مستخدم إلى آخر بوتيرة متسارعة، حتى يصبح جزءًا من الحديث اليومي والنقاش العام.
*الخوارزميات واقتصاد الخوف
تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تهدف إلى زيادة التفاعل وإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق. والمشكلة أن المحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يحقق معدلات تفاعل أعلى من المحتوى الهادئ والمتزن.
لذلك نجد أن الأخبار السلبية، والعناوين المثيرة، ومقاطع الذعر، تنتشر أحيانًا بسرعة تفوق انتشار الأخبار الإيجابية أو المعلومات الموثقة. وهنا يتحول الخوف إلى سلعة رقمية تجذب الانتباه وتحصد المشاهدات والتفاعلات.
*التنمر الرقمي وحملات التشهير
من أخطر صور الإرهاب النفسي الرقمي ما يعرف بالتنمر الجماعي أو “المحاكمات الرقمية”، حيث يتعرض فرد أو مجموعة لهجوم واسع النطاق عبر التعليقات والمنشورات وإعادة النشر.
وفي كثير من الأحيان، لا يقتصر الضرر على السمعة فقط، بل يمتد إلى الصحة النفسية للضحايا، الذين قد يعانون من القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية والشعور المستمر بالتهديد.
وقد أدى انتشار هذه الظاهرة إلى ظهور حالات عديدة انسحب فيها أفراد من الفضاء الرقمي أو امتنعوا عن التعبير عن آرائهم خوفًا من التعرض للهجوم أو التشهير.
*الآثار النفسية الخفية
لا تظهر آثار الإرهاب النفسي الرقمي دائمًا بشكل مباشر، لكنها تتراكم بمرور الوقت. فالتعرض المستمر للمحتوى المقلق أو العدائي قد يؤدي إلى:
▪️زيادة مستويات التوتر والقلق.
▪️الشعور بعدم الأمان.
▪️ضعف الثقة في الآخرين.
▪️الإرهاق النفسي الناتج عن المتابعة المستمرة للأحداث السلبية.
▪️الميل إلى الانعزال أو تجنب المشاركة في النقاشات العامة.
ومع الوقت، قد يصبح الخوف حالة دائمة ترافق المستخدم حتى خارج حدود العالم الرقمي.
*نحو بيئة رقمية أكثر أمانًا
مواجهة الإرهاب النفسي الرقمي لا تعني الانسحاب من المنصات أو رفض التكنولوجيا، بل تتطلب وعيًا رقميًا أكبر وقدرة على التعامل النقدي مع المحتوى المتداول.
كما أن تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وتقنين التعرض للمحتوى السلبي، ومكافحة التنمر وخطابات الكراهية، تمثل خطوات أساسية لحماية الأفراد والمجتمعات من الآثار النفسية المتزايدة للفضاء الرقمي.
وفي النهاية… لم تعد أخطر التهديدات الرقمية مرتبطة فقط بسرقة البيانات أو اختراق الحسابات، بل أصبحت تمتد إلى التأثير في المشاعر والحالة النفسية للأفراد. فبينما وفرت التكنولوجيا فرصًا هائلة للتواصل والمعرفة، أوجدت في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من الضغوط والخوف غير المرئي.
ويبقى السؤال الأهم: هل نستخدم المنصات الرقمية لتعزيز الوعي والتواصل، أم أننا نسمح لها بأن تتحول تدريجيًا إلى مصدر دائم للقلق والترهيب النفسي؟
دكتورة هناء خليفة
دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي




