البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (17) تسبيحة حول المُلْكِ والمَلَكُوْتِ

بقلم: الدكتور سعد كامل

 

دلالة التنزيه والوحدانية في مفهوم المُلْكِ والمَلَكُوْتِ:

جاء في سورة يس قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83))، يقول مختصر تفسير ابن كثير: “هذا تنزيه وتقديس للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وإليه ترجع العباد يوم المعاد فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل، ومعنى قوله سبحانه: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) كقوله عز وجل: (تبارك الذي بيده المُلك) فالمُلك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، ومن الناس من زعم أن (المُلك) هو عالم الأجساد، و (الملكوت) هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.” 

وقد ورد في مختصر تفسير ابن كثير حول قوله تعالى من سورة الملك: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) قال: “إن الله تعالى يمجد نفسه الكريمة مخبرا أنه هو المتصرف في جميع مخلوقاته”. وفي ذلك دلالة قاطعة على أن المُلك مبني بشكل أساسي على توحيد الخالق تبارك وتعالى، فهو سبحانه الخالق المتصرف في جميع المخلوقات ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لقهره وحكمته وعدله. وقد وردت إشارات عديدة في القرآن الكريم حول مفهوم المُلك والمَلَكُوت نذكر منها ما يلي:

رؤية إبراهيم عليه السلام لملكوت السماوات والأرض

  • جاء في سورة الأنعام قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75))، يقول مختصر تفسير ابن كثير: “أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه”… ويقول: “وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس حول هذه الآية: أنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخفي عليه شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن “بصره” حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن “بصيرته” حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة”.

القسم في القرآن بمكونات الكون في سورة الطور

  • ويتناول مطلع سورة الطور بعض مكونات الكون الواسع، ويرى الباحث أنها تذكر بعض عناصر المُلك أو الملكوت في صيغة القسم الإلهي بأعظم المخلوقات على وقوع العذاب للكافرين والمشركين: (والطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8))،

جاء في مختصر تفسير ابن كثير حول هذه الآيات ما يلي: “يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، إن عذابه واقع بأعدائه وأنه لا دافع له عنهم، والطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى، وما لم يكن فيه شجر فلا يسمى طوراً، إنما يقال له جبل. (وكتاب مسطور) قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة، التي تقرأ على الناس جهارا، ولهذا قال: (في رق منشور)،

o     وقوله تعالى: (والبيت المعمور)، ثبت في الصحيحين من طريق مالك ابن أبي صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: ((ثم رُفِعَ بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم)) يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، وهو كعبة السماء السابعة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه. والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة، والله أعلم.

o     وقوله تعالى: (والسقف المرفوع) عن علي قال: يعني السماء، ثم تلا: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32)) سورة الأنبياء، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي واختاره ابن جرير،

وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني أنه سقف جميع المخلوقات،

وقوله تعالى: (والبحر المسجور) قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر”.

يتضح من النصوص الشرعية المذكورة أعلاه أن المُلك هو الملكوت، وأنه يشير إلى قدرة الله عز وجل في خلق ذلك المُلك الكبير، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه وهو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وما بينهما من الخلق والملائكة الكرام، وأنه سبحانه خالق العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وأنه تبارك وتعالى خالق الماء الذي تحت العرش بقدرته وجلاله.

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى