الصراط المستقيم

مقياس القلوب.. كيف تفرق بين حزن النجاة وحزن الهلاك 

كتب – محرر الشئون الإسلامية

في زمن تتلاطم فيه أمواج المشاغل الدنيوية، وتتسارع فيه خطى البشر نحو الماديات، يقع الكثيرون في فخ الضيق والهم والغم. ولأن الشريعة الإسلامية لم تترك خلجة من خلجات النفس إلا ووضعت لها الميزان الصحيح، يسلط هذا التقرير الضوء على المفهوم الحقيقي للحزن، وكيف يزن المؤمن مشاعره بميزان الآخرة كي لا تبتلعه هموم الدنيا الزائلة.

الميزان الإيماني: حزن لك وحزن عليك

لخص الإمام الزاهد إبراهيم بن أدهم -رحمه الله تعالى- فلسفة المشاعر الإنسانية وتوجيهها الشرعي بكلمات سطرها التاريخ بمداد من نور، حيث قال:

“والحزن حزنان: حزن لك وحزن عليك؛ فالحزن الذي هو لك حزنك على الآخرة، والحزن الذي هو عليك حزنك على الدنيا وزينتها”.

هذا التقسيم العميق يضع النقاط على الحروف؛ فالحزن الذي يصيب المرء خوفاً من تقصيره في حق الله، أو شفقة على حال أمتنا، هو حزن مأجور صاحبه وهو “له” في ميزان حسناته. أما الحزن والكمد على فوات منصب، أو مال، أو متاع دنيوي زائل، فهو حزن “عليه” لأنه يورث وهن النفس وإحباط العمل.

حزن الآخرة.. بوابة القرب والنجاة

إن الحزن على التقصير في الطاعات والتفكر في أهوال الآخرة هو ديدن الأنبياء والصالحين. وقد امتدح الله سبحانه وتعالى أولئك الذين تحترق قلوبهم شوقاً للخير وحزناً على فواته، كما جاء في كتابه العزيز:

  • قال تعالى: [التوبة: 92].

وهذا الحزن المحمود هو الذي ينقلب في الآخرة فرحاً وسروراً أبداً، حيث يدخل أهل الجنة دار المقامة وهم يحمدون الله الذي أذهب عنهم هذا الهم؛ قال تعالى: [فاطر: 34].

حزن الدنيا.. الوهن المحظور والتحذير النبوي

في المقابل، فإن الاستسلام لحزن الدنيا وزينتها يضعف العزيمة ويقعد بالمرء عن العمل، ولهذا كان النبي ﷺ يتعوذ منه بشكل يومي، فالحزن الدنيوي لا يرد غائباً ولا يغير قدراً، بل ينهك الجسد والروح.

  • عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري).

كيف تحول حزنك الدنيوي إلى راحة نفسية؟

يرشدنا خبراء التربية والسلوك الإسلامي إلى ضرورة مجاهدة النفس عند المصائب الدنيوية بالرضا بالقضاء والقدر، وتذكر قصر عمر الدنيا. فإذا ما أصابك همٌّ لرزق أو متاع، فاجعل عزاءك أن الدنيا بأسرها لا تزن عند الله جناح بعوضة، واقلب حزنك الدنيوي إلى استغفار وإقبال على الله، ليكون حزنك سبباً في رفعة درجاتك لا عبئاً على كاهلك.

زر الذهاب إلى الأعلى