النفحات الإلهية: شهر الله المحرم.. مكانة خاصة ونسب شريف

كتب – محمد الجمل
يمر العمر كطيف عابر، وتتوالى الأيام محملة بفرص ذهبية يمنحها الخالق لعباده ليجددوا فيها إيمانهم ويغسلوا بها ذنوبهم. إنها “النفحات الإلهية”؛ تلك الأوقات المخصوصة التي يفيض الله فيها برحمته وبرركاته، ليرى الإنسان أثرها بوضوح في حياته المعيشية، شريطة أن يواجهها بقلب مقبل، ونفس مجاهدة، وعمل صالح دؤوب، مثل شهر الله ؤالمحرم ،وشهر رمضان ليلة القدم ، والعشر الأوائل من ذي الحجة.
شهر المحرم تميز بخصوصية فريدة
من أعظم النفحات التي تمر على العبد هو “شهر محرم”، الذي تميز بخصوصية فريدة ،حيث نسبه الله سبحانه وتعالى إلى نفسه، وسماه النبي ﷺ “شهر الله المحرم “. وفي هذا الشهر يوم عاشوراء، الذي نجى الله فيه موسى وقومه من بطش فرعون بفضل يقين نبيهم وثباته. وقد عظّم النبي ﷺ الصيام في هذا الشهر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» [رواه مسلم].
عندما يُضاف شيء إلى الله (مثل: ناقة الله، بيت الله، كتاب الله)، فإن هذه الإضافة تفيد التشريف المطلق والتعظيم.
-
فكل الشهور هي شهور الله، لكن تخصيص “محرم” بهذا الوصف يرفعه إلى منزلة خاصة جداً بين بقية الشهور.
-
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: “وقد سمى النبي ﷺ المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه من خلقه إلا خواص خواصهم”.
الأشهر الحرم وتحذير إلهي من ظلم النفس
يعد شهر محرم أحد الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم وحذر من انتهاك حرمتها، حيث قال عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلَمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36]. وهذه الأشهر هي: (رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم).
ويأتي التحذير من “ظلم النفس” هنا مغلظاً، ويشمل ظلم النفس عدة أشكال منها:
-
ارتكاب المعاصي والمنهيات.
-
الغفلة والجلوس في أماكنها.
-
التقصير في الطاعات وعدم مجاهدة النفس على العمل الصالح.
خطة عمل ذكية.. العمر فرصة لا تتكرر
إن الإنسان العاقل هو من يضع خطة واضحة وهدفاً محدداً مسبقاً لاستقبال أيام النفحات، فيترقبها بيقين ويستعد لها بالعمل. فالحياة في حقيقتها ما هي إلا يوم متكرر، والعمر هو الفرصة الأخيرة والوحيدة للنجاة من عذاب الله والفوز برضوانه.
لذا، وجب على كل مسلم الاستيقاظ من الغفلة والتعرض لهذه العطايا، مصداقاً لما رُوي في الأثر: «إنَّ لربِّكم في أيام دهرِكم لنفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها، لعلَّ أحدَكم أن تصيبَه نفحةٌ فلا يشقى بعدَها أبداً».



