السودانشئون عربية

الأبيض تحت الحصار: تصعيد عسكري يفاقم المعاناة الإنسانية في شمال كردفان

كتبت – د. هيام الإبس

تتزايد المخاوف الإنسانية في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان بالسودان، مع تسارع وتيرة العمليات العسكرية وتصاعد الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للمدينة. وبينما يحذر مراقبون من تكرار سيناريوهات الانهيار الإنساني التي شهدتها مدن سودانية أخرى، يعيش السكان واقعاً يومياً قاسياً يتسم بانقطاع الخدمات وشح الموارد الأساسية تحت وقع القصف المستمر.

هجمات المسيرات: شلل كامل للمرافق الحيوية في الأبيض

شهدت المدينة تطوراً ميدانياً لافتاً إثر استهداف طائرة مسيّرة لمقر الفرقة الخامسة مشاة، مما أدى إلى إصابة صهريج وقود داخل المقر. ولم يكن هذا الاستهداف معزولاً، إذ تشن الطائرات المسيّرة غارات يومية طالت محطات الوقود والكهرباء والمياه، مما تسبب في شلل شبه كامل للمرافق الحيوية.

وأكد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافستو، أن الأعمال العدائية المستمرة والضربات المتكررة بالطائرات المسيّرة بدأت تؤثر بشكل مباشر على المدنيين وعلى وصول المساعدات الإنسانية، محذراً من أن أي تصعيد إضافي سيضع آلاف الأشخاص في دائرة الخطر، في سيناريو يعيد إلى الأذهان ما حدث في إقليم دارفور وحول مدينة الفاشر.

الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض وأبعاد الصراع

تُعد الأبيض، التي يقطنها نصف مليون نسمة وتؤوي 100 ألف نازح، مركزاً استراتيجياً يربط إقليم دارفور بمناطق وسط وشرق السودان، ونقطة تحول رئيسية في تحديد مسار الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات. كما تضم المدينة منشآت حيوية تشمل:

  • قاعدة جوية عسكرية.

  • خط أنابيب رئيسي لنقل النفط.

  • سوقاً ضخمة تعد الأكبر عالمياً للصمغ العربي.

هذا الموقع الجيوسياسي جعل منها ساحة صراع محتدمة، وسط تقارير تشير إلى حشود عسكرية كبيرة حول المدينة، مما دفع مجلس الأمن الدولي للإعراب عن قلقه البالغ من احتمالية وقوع فظائع جماعية.

كارثة إنسانية: جنون الأسعار وجفاف في مصادر المياه

على الصعيد المعيشي، أسفر القصف المستمر عن تدمير واسع في البنية التحتية، حيث خرجت محطة الكهرباء التحويلية ومعظم منشآت الطاقة عن الخدمة، مما أغرق المدينة في ظلام دامس وألقى بظلاله الكارثية على القطاع الصحي، مهدداً تشغيل المستشفيات، ومراكز الطوارئ، ووحدات غسيل الكلى.

وأدى انقطاع الكهرباء وشح الوقود إلى أزمات متلاحقة شملت:

  • المواصلات والوقود: ارتفاع سعر جالون البنزين إلى 150 ألف جنيه سوداني، مما تسبب في شلل حركة المواصلات الداخلية.

  • السلع الأساسية: قفزت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني، حيث بلغ سعر كيلوجرام لحم الضأن 50 ألف جنيه.

  • أزمة مياه الشرب: أوضحت مصادر حكومية أن المدينة تعيش أزمة حادة عقب استهداف محطات المياه التي كانت تغذي الأبيض بنحو 8 آلاف متر مكعب يومياً، وتعطيل المضخات الجوفية.

وفي ظل غياب الحلول المستقرة، أصبحت خزانات “تناكر” المياه والآبار هي الخيار الوحيد لتأمين الاحتياجات اليومية، وسط محادرات مجتمعية وإنسانية خجولة لا تزال دون حجم الاحتياجات المتزايدة.

مواقف متباينة: نداءات إنسانية عاجلة ونفي رسمي للحصار

في مقابل هذا التدهور، نفى والي شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف، وجود “حصار” مطبق على المدينة، مؤكداً أن القوات المسلحة تتعامل مع الحشود باحترافية عالية، وأن أقرب نقطة وجود لـ”قوات الدعم السريع” تبعد نحو 57 كيلومتراً عن المدينة.

وعلى النقيض من ذلك، أصدر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” نداءً إنسانياً عاجلاً، واصفاً الوضع داخل الأبيض بـ”الكارثي”. ودعا التحالف المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتدخل الفوري لـ:

  1. فرض هدنة شاملة وحماية المرافق المدنية.

  2. فتح ممرات إنسانية آمنة لضمان وصول المساعدات الطبية والغذائية.

  3. تأمين مسارات خروج آمنة للمواطنين الراغبين في النزوح.

تعثر المسار السياسي والجهود الدولية لإنهاء الحرب

تأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع تعثر الجهود السياسية الدولية؛ حيث نفت وزارة الخارجية السودانية صحة ما أورده كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، بشأن رفض مجلس السيادة الانتقالي ورقة أمريكية لإنهاء الحرب، واصفة حديثه أمام مجلس الأمن بأنه “غير دقيق”. وأكدت الخارجية تعاطيها “بصورة بناءة” مع المقترحات، مذكرة بتوقيعها على “إعلان جدة” في مايو 2023، ومبادرتها لحماية المدنيين في ديسمبر 2025.

وتقود الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، عبر الرباعية الدولية التي تضم مصر والإمارات، جهوداً مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية في هذا الصراع الدامي الذي اندلع في 15 أبريل 2023، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص وفقاً للتقديرات الأممية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى