بالفيديو : حلقات تحفيظ القرآن في غزة تتحول إلى ملاذ نفسي وتربوي للأطفال والنساء

صيف غزة بلا مدارس أو حدائق.. والقرآن بديل للفراغ والخوف
كتبت – عزة السيد
لم يعد الصيف في قطاع غزة يشبه ما كان عليه في السنوات الماضية، فلا رحلات ترفيهية، ولا حدائق عامة، ولا مدارس تفتح أبوابها لاستقبال الأطفال بعد عام دراسي طويل حرمتهم منه الحرب المستمرة.
وذكر تقرير للمركز الفلسطيني للإعلام أنه بين أصوات القصف العنيف وآثار النزوح المتكرر المريرة، وجدت آلاف العائلات الفلسطينية في مراكز تحفيظ القرآن الكريم ملاذاً آمناً يحمي أبناءها من الفراغ القاتل، ويمنحهم جرعة من الطمأنينة والسلام الداخلي التي سلبتها آلة الحرب.
ملاذ تربوي وسط الفقد والدعم النفسي للأطفال
في أحد مراكز التحفيظ غرب مدينة دير البلح، يجلس عشرات الأطفال في حلقات متقابلة يرددون الآيات بصوت واحد يملأ المكان سكينة، بينما يتابعهم المحفظون بهدوء وصبر. هنا، لا يتعلم الأطفال الحفظ والتجويد فحسب، بل يستعيدون أيضاً جزءاً من تفاصيل حياتهم الطبيعية التي فقدوها منذ اندلاع حرب الإبادة.
وتؤكد أم أحمد النجار (43 عاماً) أن أبناءها لم يجدوا مكاناً يقضون فيه أوقاتهم بعد توقف الدراسة، مما دفعها لتسجيلهم في حلقات القرآن، وتضيف: «أصبحوا يستيقظون مبكراً بكل حماس، ويراجعون ما حفظوه داخل المنزل، ولمست تغيراً واضحاً في سلوكهم وهدوئهم بعد أشهر طويلة من التوتر والخوف».
النساء يجدن نصيبهن.. متنفس روحي بعيداً عن أوجاع الحرب
ولم تقتصر هذه الحلقات الإيمانية على الأطفال الصغار، إذ خصصت مراكز التحفيظ برامج مكثفة وموازية لتعليم النساء أحكام التلاوة والتجويد. وتوضح سعاد أبو خاطر (47 عاماً)، التي التحقت بدروس التجويد برفقة ابنتها، أن هذه الدروس أصبحت بمثابة متنفس روحي يومي في ظل الضغوط النفسية والمعيشية الهائلة، قائلة: «كل جلسة أشعر بعدها براحة كبيرة، وكأنني أبتعد قليلاً عن أخبار الحرب وأوجاعها القاسية».
من داخل الخيام يبنى الإنسان .. حلقات تحفيظ القرآن الكريم تعود بقوة إلى غزة بعد سنوات من الحرب الدامية pic.twitter.com/o7aevOmY82
— #سعوديون_مع_الاقصى (@Saudis2018) February 1, 2026
إقبال متزايد وتحديات شاقة تواجه المشرفين
ورغم النزوح المستمر، وضعف الإمكانات المادية، وافتقار كثير من المراكز إلى المستلزمات الأساسية كالمقاعد والمصاحف والإضاءة، فإن الإقبال على حلقات التحفيظ يتزايد بشكل لافت مع بداية الإجازة الصيفية. ويؤكد المشرف على أحد المراكز، الشيخ أحمد صافي، أن أعداد المسجلين ارتفعت بشكل ملحوظ هذا الصيف، موضحاً أن الأسر تبحث عن مكان آمن يحتضن أبناءها ويشغل أوقاتهم بما ينفعهم، مشيراً إلى أن الحلقات تحولت إلى مساحات للدعم النفسي والتربوي حيث يشعر الأطفال بالأمان والانتماء وسط ظروف استثنائية.
مساحة صغيرة للحياة وصناعة الأمل من قلب الوجع
في قطاع حرمته حرب الإبادة من أبسط حقوق الحياة كالمدارس والملاعب والأنشطة الصيفية، تحولت حلقات القرآن إلى مساحة اجتماعية دافئة يجتمع فيها الأطفال والنساء وكبار السن، يتمسكون بكتاب الله ويستعيدون شيئاً من الاستقرار المفقود. ورغم قسوة المشهد العام في غزة، يواصل الأهالي إرسال أبنائهم كل صباح إلى تلك الحلقات، إيماناً راسخاً منهم بأن بناء الإنسان يبدأ بالكلمة، وأن الأمل يمكن أن يولد ويترعرع حتى في أكثر الأماكن وجعاً وألماً.
