جزر القمرشئون عربية

جزر القمر… أمواج الحرية التي ولدت في السادس من يوليو 1975

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

حين بزغ فجر السادس من يوليو عام 1975، لم يكن الصباح عادياً في أرخبيل جزر القمر فقد ارتفعت الراية الخضراء والبيضاء، تتراقص ألوانها الأربعة تحت شمس المحيط الهندي، معلنةً ميلاد أمةٍ طال انتظارها للحرية من منحدرات جبل قارطالا، مرورًا بشواطئ القمر الكبرى ومرافئ أنجوان وموهيلي، خفق قلب الوطن كله بنغمة واحدة: لقد استيقظت جزر القمر حرّة.

من زمن الاستعمار إلى عهد السيادة

بدأ الوجود الفرنسي في جزر القمر منذ أواخر القرن التاسع عشر حين أصبحت الجزيرة تحت سيطرة فرنسا عام 1886، لتتحول لاحقًا إلى مستعمرة فرنسية كاملة سنة 1912 خضعت الجزر الأربع – القمر الكبرى، أنجوان، موهيلي، ومايوت – لحكمٍ استعماري حاول تغيير ملامحها، لكنه لم يستطع أن يطفئ روح الإيمان والوحدة التي جمعت القمريين عبر التاريخ.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع المدّ التحرري في القارة الأفريقية، بدأت الأصوات الوطنية تعلو مطالبةً بالاستقلال تشكّلت أحزاب وحركات سياسية تطالب بحكمٍ ذاتي ومشاركة حقيقية في اتخاذ القرار وفي عام 1974، أُجري استفتاء تاريخي صوّتت فيه الأغلبية الساحقة في ثلاث جزر لصالح الاستقلال، بينما اختارت جزيرة مايوت البقاء تحت الإدارة الفرنسية.

ثم جاء اليوم الحاسم في 6  يوليو 1975، حين أعلن البرلمان القَمَري استقلال البلاد رسميًا، لتولد جمهورية جزر القمر الاتحادية الإسلامية في مشهدٍ جمع بين الفرح والرهبة قاد الرئيس أحمد عبد الله المرحلة الأولى من بناء الدولة، واضعًا أسس الوحدة التي ظلت ركيزةً للهوية الوطنية.

فرحة لا تُنسى

 

 

في ذلك اليوم التاريخي، دقّت الطبول في كل قرية، وأشعلت النيران على قمم الجبال في احتفالٍ رمزي، وكان الأطفال يركضون على السواحل يحملون الأعلام المصنوعة يدويًا، فيما ترددت زغاريد النساء في الهواء ممزوجة بدموع الفرح. لأول مرة منذ قرنٍ تقريبًا، غنّت الجزر أغنية الحرية بلغتها، ورفعت وجوهها نحو السماء وهي تؤمن بأن هذا النور سيبقى للأبد.

راية تروي حكاية وطن

يختزل علم جزر القمر قصة الأمة بألوانه ورموزه؛ الأخضر يرمز للإسلام والإيمان الذي وحّد الشعب، الأبيض للسلام والوفاق، الأصفر والأحمر للجزر المختلفة وتنوعها الثقافي، والهلال والنجوم الأربع رموزٌ للوحدة التي تجمع الأرخبيل تحت مظلةٍ واحدة ألوان العلم ليست طلاءً وزخارف، بل حديثُ أجيالٍ قدّمت الإخلاص والصبر ليبقى هذا الوطن شامخًا.

من ذكريات النضال إلى احتفالات اليوم

كل عام، في السادس من يوليو، تعيد جزر القمر سرد حكاية ميلادها بفرحٍ جماعيٍّ يجمع المدن والقرى في العاصمة موروني، تُقام العروض العسكرية وتُلقى الكلمات الرسمية التي تُكرّم مؤسسي الدولة الأوائل تمتلئ الساحات بزخارف العلم الوطني، وتعزف الفرق الموسيقية ألحانًا تقليدية على الطبول والمزامير التي تعبق بأصالة التراث القمري الأفريقي العربي.
في المدارس، يُرفع العلم على أناشيد الأطفال ودعوات الشيوخ للسلام والتكاتف، إذ يتحول يوم الاستقلال إلى مهرجان للثقافة والتعليم والوعي بالهوية الوطنية.

في المهجر أيضًا، يحتفي القمريون من باريس إلى دار السلام بهذا اليوم الكبير، مجتمعين على قصص الأجداد وإرث الجزر الأربعة التي تتآخى رغم تباعدها البحري.

قيمٌ من البحر والسماء

ترتكز روح الاستقلال القمري على أربعة أعمدة خالدة: الوحدة، الإيمان، الصمود، والسلام وهي قيمٌ تنبض في قلب كل مواطن يرى في وطنه أكثر من أرضٍ جميلة، بل سفينةً تمر عبر التحديات بثقة.
رغم محدودية الموارد والتقلبات السياسية التي عرفتها البلاد، ظلّ الشعب القمري متمسكًا بالأمل فالاستقلال لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته – بداية بناء وطنٍ يسعى إلى العدل والتنمية، وإلى تقديم نموذجٍ فريد في التعايش والتنوع والاعتزاز بالهوية الإسلامية الأفريقية.

يواصل الشباب القمري اليوم حمل راية الأمل، في الجامعات والموانئ، في الزراعة والتعليم والصناعة، ليؤكدوا أن حلم الحرية لا يُمحى، وأن نهضة الوطن مشروعٌ يوميّ يتوارثه الأبناء عن الآباء.

روح الجزر ووحدة البحر

لكل جزيرةٍ نكهتها ونداؤها في تكوين اللوحة الكبرى للأمة فالقمر الكبرى تُمثل القلب، وأنجوان النبض الاقتصادي، وموهيلي الروح الثقافية، ومايوت – وإن فرّقتها السياسة – تبقى في الوجدان القمري جزءًا من الحنين للأرض والهوية
على امتداد الجزر، تتماوج قصائد الشعر الشعبي، وتُسمع أصداء الدعاء في المساجد مع أهازيج البحر إنها جزرٌ تصلي بلغة الموج وتغني بلغة الحب، وترى في استقلالها وعدًا سماويًا لا ينكسر.

أغنية الحرية في المحيط الهندي

بعد خمسين عامًا من ذلك الفجر العظيم، ما زالت أمواج المحيط عند شواطئ موروني تهمس بقصة الاستقلال يقول القمريون إن البحر يسمعهم حين يرددون: “نحن أبناء الوحدة، ورجال الصمود، ونساء الأمل
فالحرية هنا ليست يومًا في التقويم، بل وجدانٌ خالدٌ يشبه مدّ البحر الذي يعود دائمًا، مهما ابتعد، ليعانق شواطئ وطنه.

يا جزر القمر، يا عقد البحر اللامع، ستبقين دومًا نجمةً من نورٍ في قلب المحيط، تحملين بهاء الإيمان وأغنية الحرية إلى الأبد. 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى