بعد وصول حافلة الأبطال.. صرخة إيقاظ لاستعادة السيادة الذاتية

بقلم / مدحت مرسي
بالتزامن مع أجواء الاحتفاء السائدة وفرحة وصول حافلة الأبطال إلى أرض الوطن، تبرز في الأفق مقاربة فكرية ونفسية عميقة تدعو للتأمل. إن متعة الفرجة الجماعية والاندماج مع المجموع لا ينبغي أن تنسينا أن الرحلة الحقيقية للإنسان تُقاس بالمسافات التي يقطعها بإرادته الحرة، لا بالمحطات التي يقف عندها الآخرون؛ وهي دعوة صريحة للنزول في أقرب محطة، ليس كفراً بالمجتمع، بل رغبةً في العثور على المقود الخاص الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي.
الهروب من حرية الاختيار إلى الراحة الزائفة
أكد التحليل النفسي للمشهد أن التواجد الدائم في “الحافلة” يرمز إلى الاستسلام النفسي لـ “القدرية المشوهة” أو الراحة الزائفة. فالحافلة بطبيعتها محدودة المسار، والراكب فيها يتخلى عن القلق المصاحب لاتخاذ القرار، تاركاً شخصاً آخر (السائق) يتحمل مسؤولية الاتجاه؛ هذا السلوك يغذي حالة خطيرة من الاعتمادية النفسية وضعف “مركز التحكم الداخلي”، وهو ما يعتبر آلية دفاعية للهروب من حرية الاختيار التي تصفها الفلسفة الوجودية بأنها مقرونة بالقلق.
تفعيل طاقة “الأنا” الديناميكية
في المقابل، تمثل “السيارة الخاصة” الأنا، وهي تلك الطاقة الديناميكية التي تحركك في الحياة؛ وبناءً على ذلك، فإن عملية النزول من الحافلة وركوب السيارة تمثل “عملية التفرد” بمعناها النفسي العميق، وهي خروج الإنسان من عباءة الوعي الجمعي المشوه ليصبح ذاتاً مستقلة ومسؤولة عن مصيرها، مما يضمن ضرورة الاستقلال الشخصي والتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الجماعية الرتيبة والمسارات المحددة مسبقاً التي تجعل الفرد مجرد راكب لا يملك القدرة على التوجيه.
الانتقال إلى موقع الضبط الداخلي
إن الانتماء الحقيقي للإنسان ليس في حافلة عامة ترتبط في الثقافة الشعبية بالشمولية وإذابة الهوية الخاصة لأن أي شخص يمكنه ركوبها، بل في مكان يتيح له الذهاب إلى حيث يريد بناءً على قراره الشخصي. إن القيادة الذاتية تمكن الفرد من الخروج عن الأطر السياسية أو الأيديولوجية الجاهزة التي تفرضها المنظومات الكبرى، والبدء في رسم مسار سياسي خاص؛ فالتغيير يبدأ عندما يتوقف الفرد عن كونه مجرد راكب في تيار سياسي عام، ويتحول إلى قيادة سيارته مستقلاً، لينتقل من موقع الضبط الخارجي (حيث تحركه الظروف) إلى موقع الضبط الداخلي (حيث يصبح هو المحرك لواقعه).
ملاحظة فكرية: من مصلحتك الشخصية والوجودية أن تفكر في هذا الأمر ملياً، وأن تتولى زمام أمور حياتك بنفسك عبر اتخاذ القرار الحر بعيداً عن القطيع.
مدحت مرسي
كاتب وباحث وخبير تنمية بشرية
