الصراط المستقيم

روائع البيان النبوي.. الرسول ﷺ شبه حال المؤمن بالزرع والمنافق بشجرة “الأرزة”؟

ضرب الأمثال لتقريب مفاهيم الإيمان والابتلاء

كتب – وليد على 

امتاز البيان النبوي الشريف بقدرة فائقة على تقريب المفاهيم الإيمانية والتربوية للناس عبر أساليب التشبيه وضرب الأمثال. ومن بين هذه الجوامع النبوية، برز الحديث الشريف الذي رواه كعب بن مالك -رضي الله عنه- وأخرجه البخاري ومسلم، ليضع مقارنة بليغة تشرح طبيعة الابتلاء وسنة الله في خلقه بين المؤمن الصابر والمنافق المستدرج، كاشفاً عن معانٍ تربوية عميقة تهم كل مسلم في حياته اليومية.

نص الحديث الشريف وصحته في الدواوين النبوية

جاء في صحيح البخاري (رقم: 5643) وصحيح مسلم (رقم: 2810) عن الراوي كعب بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“مَثَلُ المُؤمِنِ كالخامةِ مِنَ الزَّرعِ، تُفَيِّئُها الرِّيحُ مَرَّةً، وتَعدِلُها مَرَّةً، ومَثَلُ المُنافِقِ كالأَرْزةِ لا تَزالُ حتَّى يَكونَ انجِعافُها مَرَّةً واحِدةً” (خلاصة حكم المحدث: صحيح).

شرح معاني الحديث: ماذا تعني “الخامة” و”الأرزة”؟

يتضمن الحديث مفردات بيانية تحتاج إلى توضيح لبيان الإعجاز النبوي:

  • الخامة من الزرع: هي النبتة الغضة الطرية اللينة في أول نموها، التي تتمايل مع الرياح يمنة ويسرة دون أن تنكسر.

  • الأَرْزَة: شجر صلب صمّاء يشبه شجر الصنوبر، معروف بطول عمره وجفافه وثباته الظاهري أمام الرياح.

  • انْجِعَافُهَا: يعني انقلاعها وجرفها من جذورها بشكل كامل ومفاجئ.

وجه التشبيه للمؤمن: مرونة الرضا والتحول بين الشكر والصبر

أوضح العلماء وموقع “الدرر السنية” أن وجه تشبيه المؤمن بالنبتة الطرية يعود إلى انصياعه لأمر الله وقدره؛ فإذا جاءته رياح الابتلاء والمكروه مال معها صابراً محتسباً يرجو الأجر، وإذا اندفعت عنه اعتدل مستبشراً وشاكراً لفضل الله. والنَّاس في هذا الابتلاء مراتب؛ فمنهم من يرى أجر البلاء فيهون عليه، ومنهم من يسلم تسليماً مطلقاً لعلمه أن الكون ملك للمالك سبحانه ولا يعترض على قضائه.

وجه التشبيه للمنافق: استدراج الدنيوي وعاقبة الانقلاع المفاجئ

على النقيض تماماً، يأتي تشبيه المنافق بشجرة الأرزة الصلبة؛ إذ لا يتفقده الله بالاختبار والابتلاء في الدنيا، بل ييسر له الأمور استدراجاً له، فيظل معافى ظاهرياً ومتكبراً حتى إذا أراد الله إهلاكه وقصمه، انقلع واقتُلع مرة واحدة، ليكون موته أشد عذاباً عليه وأكثر ألماً في خروج نفسه، ليتعسر عليه الحال في المعاد والآخرة.

فوائد مستخلصة: الابتلاء رحمة ولطف بالعباد

يؤكد الحديث الشريف على مجموعة من الحقائق الإيمانية الثابتة، وأبرزها أن سنة الابتلاء ماضية في العباد لا محالة، وأن المصائب التي تصيب المؤمن في ماله أو جسده أو أهله إنما هي رحمة من الله عز وجل، ولطف به لتطهيره من الذنوب ورفع درجاته، وليست غضباً كما يظن البعض، بينما السلامة الدائمة للمفسد قد تكون مؤشراً على خذلان واستدراج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى