أراء وقراءات

“الإرضاع الترفيهي (Tittytainment)” المخطط السري لتخدير 80% من البشر وسرقة وعيهم!

يكشف كتاب “فخ العولمة” لمؤلفيه هانس بيتر مارتين وهارالد شومان عن أحد أخطر المصطلحات السياسية والاقتصادية المعاصرة وهو مصطلح “الإرضاع الترفيهي” (Tittytainment). هذا المفهوم الصادم ظهر في نقاشات ومؤتمرات ضمت أبرز قادة السياسة والاقتصاد ومستشاري الأمن القومي الأمريكي الأسبقين، لبحث مستقبل العالم في ظل الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والأتمتة. حيث تخلص هذه الرؤية إلى أن الاقتصاد العالمي المستقبلي لن يحتاج سوى لـ 20% فقط من البشر لإنتاج كل شيء، مما يطرح سؤالاً وجودياً مريباً: كيف سيتم التعامل مع الـ 80% الباقين من سكان العالم الذين سيصبحون خارج دائرة التأثير والإنتاج؟ وكان الجواب المقترح خلف الكواليس هو: تخديرهم عبر الإرضاع الترفيهي.

كيف يتحول الترفيه من وسيلة للراحة إلى أداة للتخدير؟

 

تقوم فكرة هذا المخطط على إشغال النسبة الأكبر من البشر وتوجيههم بعيداً عن التفكير الجاد أو الغضب أو المساءلة. ويتحقق ذلك عبر ضخ جرعات يومية مستمرة ومكثفة من المتعة، الاستهلاك، والمحتوى اللامتناهي من الأخبار، المباريات، المشاهير، والمقاطع القصيرة؛ ليبقى الإنسان منشغلاً على الدوام دون أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. والمشكلة الأساسية هنا لا تكمن في الترفيه كحاجة إنسانية للترويح واستعادة الطاقة، وإنما في تحوله إلى غاية تلتهم العمر وتتحول إلى وسيلة تخدير ممنهجة تسلب الإنسان وعيه وقدرته على الإبداع.

التحذيرات الشرعية من الغفلة وضياع الفراغ

لقد نبهنا الدين الإسلامي الحنيف وحذرنا من خطورة هذا الانشغال التافه والملهي الذي يسلب غاية الوجود الإنساني؛ حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحدثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}. كما حذر النبي ﷺ من ضياع أثمن ما يملك المرء فقال: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ”. وتتجلى خطورة الفخ عندما يصبح المرء حافظاً لنتائج المباريات وأخبار المشاهير أكثر من حفظه لخطته المهنية أو مهاراته التي تبني مستقبله، مما يجعله يحيد عن الغاية الأسمى التي خُلق من أجلها في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.

إضاعة الوقت أشد من الموت وأسئلة المصير

ويصف الإمام ابن القيم -رحمه الله- هذا التشتت بدقة متناهية تفوق واقعنا المعاصر فيقول: “إضاعةُ الوقتِ أشدُّ من الموتِ، لأنَّ إضاعةَ الوقتِ تقطعُكَ عن اللهِ والدارِ الآخرةِ، والموتُ يقطعُكَ عن الدُّنيا وأهلِها”.

إن كل دقيقة انتباه تملكها هي ثروة حقيقية تتنافس عليها المنصات العالمية لتوجيه تفكيرك واستهلاكك وأحلامك لتصبح وقوداً لأهدافهم. وللخروج من هذا الفخ، يجب على كل شخص أن يطرح على نفسه ثلاثة أسئلة مصيرية هي :

هل أقود انتباهي أم أن هناك من يقوده نيابة عني؟

هل أستخدم هذه المنصات أم أنها تستخدمني؟

وهل هذا العبث هو ما خُلقت من أجله حقاً؟

مختارة من صفحة واتس اب للكاتب والمترجم يوسف عبد النعيم 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى