أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (23) لماذا اختار السميط الصبر في زمن العجلة؟

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى المقابلات التي تحدث فيها الدكتور عبد الرحمن السميط عن سنوات عمله الطويلة في إفريقيا، روى موقفًا يكشف الكثير من فلسفته في الحياة والعمل فقد زار إحدى القرى التي كانت تعاني من نقص حاد في المياه والخدمات الأساسية وبعد سنوات من بدء العمل فيها، عاد لزيارتها مرة أخرى.      كان بإمكانه أن ينظر إلى المشروع بعين الأرقام، فيسأل: كم بئرًا حُفرت؟ وكم مدرسة أُنشئت؟ وكم شخصًا استفاد؟ لكنه لم يفعل ذلك كان ينظر إلى شيء آخر.

كان يتأمل الأطفال الذين أصبحوا شبابًا، والشباب الذين صاروا آباءً، والقرية التي بدأت تستعيد قدرتها على الوقوف على قدميها.

هناك أدرك مرة أخرى حقيقة آمن بها طوال حياته: أن التغيير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل ينمو ببطء كما تنمو الأشجار العظيمة.

ربما لهذا السبب لم يكن عبد الرحمن السميط مستعجلًا وربما لهذا السبب أيضًا استطاع أن يترك أثرًا بقي بعد رحيله.

نحن أبناء السرعة.. وصراع الأثر الفوري

  • نحن أبناء السرعة.
  • نريد النتائج الآن.
  • نريد التغيير فورًا.
  • نريد الأثر قبل أن يبرد الحماس.
  • نريد أن نزرع اليوم ونحصد غدًا.

بل إننا أحيانًا نعتبر بطء النتائج دليلًا على فشل الطريق، مع أن كثيرًا من أعظم الإنجازات الإنسانية احتاجت سنوات طويلة حتى تظهر ثمارها.

الصبر كاستراتيجية عمل وبناء الثقة

لكن عبد الرحمن السميط كان يسير عكس هذا التيار.

  • لم يكن بطيئًا.
  • بل كان صبورًا.

والفرق بينهما كبير فالبطء قد يكون عجزًا أو ترددًا، أما الصبر فهو قرار واعٍ بالاستمرار رغم أن النتائج لم تظهر بعد.

الصبر الذي عاشه السميط لم يكن انتظارًا سلبيًا، ولم يكن جلوسًا على هامش الأحداث، بل كان عملًا طويل النفس يعرف أن الزمن جزء من الحل، لا عدوًا له.

في إفريقيا، لم تكن المجتمعات تتغير بخطاب عابر ولم تكن الجراح التاريخية تُشفى بمبادرة واحدة ولم تكن آثار الفقر والجهل والمرض تتراجع بمجرد إعلان مشروع جديد كان هناك زمن يجب احترامه.

  • زمن التعافي.
  • وزمن التعلم.
  • وزمن بناء الثقة.
  • وزمن استعادة الكرامة.

وكان السميط يفهم ذلك جيدًا كان يعلم أن الإنسان الذي عاش سنوات طويلة في الحرمان لا يستعيد ثقته بالحياة في يوم واحد وأن القرية التي اعتادت العطش لا تتحول إلى نموذج تنموي بين ليلة وضحاها وأن الطفل الذي حُرم من التعليم لا تُختصر رحلته في افتتاح مدرسة.

لهذا لم يكن يستعجل النتائج كان يعمل كما يعمل المزارع الحكيم يزرع البذرة، يسقيها، يحميها، ثم يمنحها الوقت الذي تحتاجه لتنمو.

لقد فهم حقيقة يغفل عنها كثيرون: أن بعض الثمار تموت إذا حاولت قطفها قبل أوانها وكم من مشاريع انهارت لأنها أرادت القفز فوق الزمن؟                              وكم من أفكار جميلة ماتت لأن أصحابها لم يحتملوا بطء الثمر؟                                            

وكم من مبادرات بدأت بحماس هائل ثم اختفت لأن أصحابها أرادوا نتائج سريعة أكثر مما أرادوا نتائج حقيقية؟

الاستعجال قد يكون علامة ضعف

الاستعجال يبدو أحيانًا علامة حماس، لكنه قد يكون في الحقيقة علامة ضعف في فهم طبيعة التغيير.

  • فكل ما هو عميق يحتاج وقتًا.
  • الثقة تحتاج وقتًا.
  • والتعلم يحتاج وقتًا.
  • وبناء الإنسان يحتاج وقتًا.

حتى الإيمان نفسه يحتاج وقتًا لينمو في القلب ويتحول إلى سلوك.

لهذا لم يكن الصبر عند عبد الرحمن السميط فضيلة روحية فقط كان أيضًا استراتيجية عمل كان يعرف أن العمل الذي يُبنى على الاستعجال غالبًا ما يكون هشًا أما العمل الذي يُبنى على الصبر فيمتلك فرصة أكبر للبقاء.

إخلاص يزرع لجيل لم يولد بعد

لهذا لم يكن منشغلًا بأن يرى كل نتائج جهده بنفسه كان مستعدًا أن يبني اليوم وهو يعلم أن الحصاد قد يكون بيد غيره وهذه من أصعب درجات الإخلاص.

أن تعمل من أجل نتيجة قد لا تراها وأن تبذل جهدًا قد ينسبه التاريخ إلى آخرين وأن تزرع أشجارًا ستستظل بها أجيال لم تولد بعد.

نحن غالبًا نريد أثرًا نراه أما هو فكان يريد أثرًا يبقى وهذا فارق هائل.

فالأثر الذي يُرى قد يمنح صاحبه الرضا المؤقت أما الأثر الذي يبقى فيمنح الحياة معناها الحقيقي.

لقد فهم السميط أن قيمة العمل لا تُقاس بعمر صاحبه، بل بعمر فائدته فكم من أشخاص عاشوا طويلًا ولم يتركوا أثرًا وكم من رجال رحلوا وبقيت أعمالهم تتحدث عنهم كل يوم.

الزمن شريك في صناعة الخير

ولعل أجمل ما نتعلمه من هذه التجربة أن الزمن ليس خصمًا دائمًا كما نظن.

  • أحيانًا يكون الزمن شريكًا في صناعة الخير.
  • وأحيانًا يكون الانتظار جزءًا من الإنجاز.
  • وأحيانًا تكون الخطوات البطيئة أكثر ثباتًا من القفزات السريعة.

لقد اختار عبد الرحمن السميط الصبر في عصر العجلة.

  • واختار البناء في زمن الاستهلاك.
  • واختار التراكم الهادئ في زمن النتائج الفورية.

لهذا بقي أثره حاضرًا حتى بعد رحيله.

الدرس العميق الذي يجب ان نتعلمه 

واليوم، ونحن نعيش في عالم يريد كل شيء بسرعة، ربما نحتاج أن نتوقف قليلًا أمام هذا الدرس العميق.

  • أنه ليس كل ما يتأخر يفشل.
  • وليس كل ما ينجح بسرعة ينجح حقًا.

بعض الأشياء العظيمة تحتاج عمرًا كاملًا حتى تكتمل وبعض الرسائل لا تُكتب بالحبر، بل بالسنوات وبعض الرجال لا يُقاسون بما أنجزوه في لحظة، بل بما ظل حيًا من أثرهم بعد أن غابوا.

لذلك، إذا شعرت يومًا أن الطريق طويل، وأن النتائج بطيئة، وأن تعبك أكبر مما تراه من ثمار، فتذكر أن أعظم الأشجار لا تنمو في يوم، وأن أعمق الأنهار لا تتشكل من مطر عابر.

وتذكر أن عبد الرحمن السميط أمضى عقودًا كاملة وهو يزرع، لا لأنه كان يضمن الحصاد، بل لأنه كان يؤمن أن الزرع نفسه رسالة.

فالخير الحقيقي لا يستعجل الزمن والأثر العظيم لا يولد دفعة واحدة.

أما الذين يملكون الصبر الكافي ليواصلوا الطريق رغم بطء الثمار، فهم وحدهم الذين يتركون وراءهم نورًا يستمر في إضاءة الدروب بعد أن تنتهي رحلتهم.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى