أراء وقراءات

من يسرق عقول الطلاب؟

بقلم/ حسن السعدني

في بيتٍ مصري بسيط، لا تُرهق الأب الفواتير بقدر ما يُرهقه بندٌ واحد يتضخم كل شهر: الدروس الخصوصية.

ليست رفاهية… بل خوف.

خوفٌ على مستقبل ابنٍ أصبح نجاحه  – في نظر كثيرين –  مرهونًا باسم المدرس، لا بجهده.

من هنا تبدأ الحكاية.

لم تعد الدروس الخصوصية وسيلة دعم تعالج ضعفًا عابرًا، بل تحوّلت إلى منظومة كاملة تفرض نفسها كبديلٍ غير معلن للتعليم.

منظومة تُدار بمنطق السوق: عرضٌ وطلب، وإعلانات تملأ الشاشات، تعدك بما يشبه المعجزة:

“احجز مكانك مع صانع الأوائل “

وسط هذا الضجيج، يقف الطالب حائرًا:

هل التفوق بيد هذا المدرس… أم ذاك؟

هل النجاح نتيجة فهم… أم نتيجة اشتراك؟

وهنا تتكشف الأزمة الحقيقية:

لقد تحوّل النجاح من قيمة تُبنى… إلى منتج يُباع.

حين يتحول التعليم إلى سوق

لم يعد التعلم رحلة لاكتشاف الفهم، بل أصبح  – في كثير من الأحيان –  سباقًا للاشتراك في أفضل “خدمة تعليمية”.

تغيّرت اللغة نفسها:

لم نعد نسأل: ماذا تعلمت؟

بل: مع من تأخذ؟

في هذا السوق، كلما زاد القلق… زاد الطلب.

وكلما زاد الطلب… اتسعت التجارة.

بيع القلق في صورة علم

ما الذي يُباع فعلًا داخل كثير من هذه السناتر؟

ليس العلم كما نظن، بل الطمأنينة المؤقتة.

ملازم ملوّنة، وعود بالامتحان المتوقع، جُمل محفوظة، و”تكنيكات” سريعة…

كلها تمنح الطالب إحساسًا زائفًا بالسيطرة.

لكنه إحساس هش؛ يتلاشى عند أول سؤال بصياغة مختلفة.

فالمشكلة ليست في صعوبة السؤال…

بل في هشاشة الفهم.

طالبٌ يحفظ جيدًا، لكنه لا يفكر.

يُجيد التكرار… لكنه يعجز عن التحليل.

والنتيجة تتكرر كل عام :

انهيارٌ مفاجئ أمام أسئلة لم تأتِ كما اعتاد.

الحقيقة القاسية أن هذه المنظومة –  في صورتها المشوّهة –  لا تصنع متفوقًا،

بل تصنع طالبًا يعتمد على غيره.

وكلما زاد الاعتماد… زادت الأرباح.

عندما يصبح “الشو” أهم من الفهم

في زمن السوشيال ميديا، تغيّر ميزان النجاح.

لم يعد التفوق العلمي وحده كافيًا، بل أصبح الظهور عاملًا حاسمًا.

أضواء، مؤثرات، موسيقى، قاعات ضخمة…

تحوّلت الحصة إلى عرض.

وصار المدرس الناجح – في نظر كثيرين – هو الأكثر انتشارًا، لا الأكثر علمًا.

في المقابل، هناك معلمون حقيقيون، أصحاب علمٍ وخبرة، لكنهم بعيدون عن هذا الصخب، فلا يُرى لهم أثر.

المشكلة ليست في وجود الجيد والسيئ…

بل في أن الميزان اختل.

أصبح الحكم بعدد المشاهدات… لا بجودة الفهم.

بين المعلم السند وتاجر العقول

 ليس كل من يعطي درسًا جزءًا من المشكلة.

هناك معلمون شرفاء، يسدّون فجوات حقيقية، ويعلّمون الطالب كيف يعتمد على نفسه.

هؤلاء سند.

لكن الخطر يبدأ حين يربط المعلم نجاح الطالب به شخصيًا،

ويزرع داخله فكرة أنه لا يستطيع بدونه.

هنا يتحول التعليم إلى تبعية،ويتحول الطالب من باحثٍ عن المعرفة… إلى مستهلكٍ لها.

أزمة الفهم في زمن الحفظ

أحد أخطر نتائج هذه المنظومة هو تغييب مهارة التفكير.

فالطالب لا يتعلم كيف يحلل، بل كيف يتوقع.

ولا يتدرب على الفهم، بل على التكرار.

ومع أي تغيير بسيط في نمط السؤال… يسقط كل شيء.

لأن ما بُني على الحفظ وحده… لا يصمد.

هل يمكن إنقاذ الطالب؟

لن تختفي الدروس الخصوصية، ولن ينتهي هذا السوق.

لكن يمكن إعادة ضبط العلاقة معه:

– أن يكون الاجتهاد الذاتي هو الأصل…  

    والدرس مجرد دعم

– أن نقيس التقدم بالفهم… لا بالحفظ

– أن نخصص وقتًا للتفكير، لا للمذاكرة فقط

– أن يتدرّب الطالب على أسئلة غير متوقعة

والأهم من ذلك:

أن نعيد الثقة في عقل الطالب.

أن نعلّمه كيف يخطئ… ثم يصحح،

وكيف يحلل… لا كيف يكرر.

النجاح ليس للبيع

هناك طالب الآن يذاكر، لا لأنه يحب العلم…

بل لأنه يخاف أن يفشل بدون “المدرس”.

وهنا تكمن المأساة.

في النهاية… إما أن تفكر بنفسك،

أو يبيع لك الآخرون طريقة تفكيرهم.

العلم طريقٌ شاق،

لكن لا أحد يستطيع أن يمشيه بدلًا منك.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى