في ظلال رحلة المعراج الكونية (18) التفكر في الأنفس وفي السماوات

بقلم: د. سعد كامل
دقة الإبداع بين النفس البشرية والكون
يُعتبر التفكر في خلق الله من أوسع أبواب تقوية الإيمان، كما تتعدد مجالات التفكر مع تعدد أشكال وأنواع وصفات المخلوقات، والتفكر في كمال ودقة وروعة كل ذرة في الكون يؤكد لنا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى وطلاقة قدرته عز وجل، ويكاد الإنسان أن يتوه بين تكامل وترابط ودقة ذلك الخلق العظيم.
وقد وقف كاتبنا كثيرا أمام قوله تعالى في سورة الروم ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8))، حيث نرى مقابلة قوية بين اثنين من أكبر مجالات العلم البشري: النفس البشرية والكون، فهذا التفكر في ذواتنا وما فيها من أجهزة معقدة، وخلايا فائقة الدقة والتعقيد، وحوامل وراثية تحمل مليارات المعلومات في حيز متناهي في الصغر… وغير ذلك الكثير من ملامح الدقة والإحكام والإبداع الرباني الذي تُجْمِلَهُ كلمة “بالحق” بإيجاز بالغ الدقة.
التشابه في إحكام الخلق وفي مراحل الخلق:
إن الذي يتفكر في خلق أبو البشر آدم عليه السلام من طين الأرض يجب أن يتوقف كثيرا عند الإبداع الإلهي في ذلك الخلق، فالانتقال من حالة الطين -تلك المادة الجامدة الصماء- إلى حالة الكائن البشري ذو الأجهزة المعقدة بملايين الخلايا، فالجهاز العصبي فيه من الإعجاز الكثير، وكذلك الجهاز العظمي والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي وأجهزة الإخراج والإبصار والتذوق…. وغير ذلك الكثير…. فلنتفكر في ذلك الانتقال العظيم من الطين الجامد إلى الكائن البشري المتحرك، ثم لننظر إلى الكون العظيم وما فيه من مجرات هائلة مرفوعة في السماء بغير عمد في عملية تشبه تشارك الجهاز العضلي والعصبي والعظمي في رفع الكائن البشري قائما دون سقوط..
لا عيب ولا خلل في الخلق العظيم
إن التفكر الذي تأمر به الآية (8 ) من سورة الروم يجعلنا ننتقل من التفكر في الأنفس (أوَ لم يتفكروا في أنفسهم) إلى التفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما، فالتفكر الأول (في أنفسهم) يؤدي حسب الآية للتفكر الثاني (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق)، وعليه يمكن أن نستنتج من ذلك أن هناك تشابها بين هذين المجالين من مجالات التفكر لأن النتيجة واحدة: أن ذلك الخلق تم بالحق والإحكام والدقة، ولم يتم عبثا ولا باطلا، وأن السماوات ليس فيها عيب ولا خلل كما أن خلق الكائن البشري –وجميع المخلوقات- ليس فيه عيب ولا خلل.
التشابه في مراحل الخلق
وذلك التشابه في التفكر والنتيجة يجعلنا نستنتج تشابها في مراحل الخلق وفي طريقة الخلق، لذلك ينادي الباحث الحالي باعتبار عملية خلق أبو البشر آدم عليه السلام التي تبدأ بخلق الجسم البشري من الطين، ثم تأتي مرحلة النفخ فيه من روح الله ليكون كائنا بشريا كاملا، ومن ثم ينادي كاتبنا باعتبار ذلك نموذجا للخلق العظيم…. وعليه يظن الباحث أن الله تبارك وتعالى قد خلق السماوات والأرضين أولا هيكلا كاملا، ثم قال سبحانه وتعالى لذلك الهيكل كن خلقا كاملا بالسماوات والأرضين وما بينهما من مجرات وأجرام وخلاء ومخلوقات لا يعلمها إلا الله… فكانت السماوات والأرضين دون خلل أو عيب.
هل الكون كائن حي؟
ويذهب الباحث إلى أبعد ما يمكن بناء على التفكر في تلك الآية (الروم: 8) وفي غيرها من الآيات مثل قوله تعالى في سورة الأنبياء: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30))، يقول مختصر تفسير ابن كثير حول قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي): “أي أصل كل الأحياء، وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إنني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: ((كل شيء خُلِق من ماء)) قال قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة؟ قال: ((أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام)) أخرجه الإمام أحمد وإسناده على شرط الصحيحين، وأخرج ابن أبي حاتم بعضه”. من هنا يذهب الباحث إلى القول بأن السماوات والأرضين، بل الكون كله يمكن اعتباره كائنا حيا مثله مثل الكائن البشري الذي تتجلى فيه إبداعات القدرة الإلهية، فكذلك الكون بكل ما فيه يوحي لنا أنه كائنا حيا يسمع ويطيع وينمو ويخضع لله عز وجل.



