ثقافة الخوف .. حين تتحول الرهبة إلى أسلوب حياة

بقلم: حسن السعدني
نحن من يصنع الخوف بأيدينا
في البيوت المصرية، نُربّي أبناءنا على تجنب الخطأ أكثر من خوض التجربة، نُضخّم رهبة الامتحان، ثم نندهش حين تتراجع ثقتهم بأنفسهم.
وفي مجتمعٍ يُبالغ أحيانًا في التحذير من المستقبل، يصبح الطموح مخاطرة… ويغدو الأمان هدفًا ولو كان محدودًا.
الخوف جزء من الثقافة اليومية
في مصر، لا تنشأ التحديات دائمًا من ضعف الإمكانات، بل كثيرًا ما تتشكل من طريقة التفكير ذاتها. فثقافة الخوف من الجديد، والقلق من التغيير، تُعيد إنتاج نفسها في تفاصيل الحياة اليومية.
فالخوف من الفشل، أو من “كلام الناس”، أو من اتخاذ مسار مختلف، يتحول مع الوقت إلى قيد غير مرئي، يجعل كثيرين يفضلون الطرق المألوفة، حتى وإن لم تكن الأفضل.
من الحضانة إلى الثانوية… نفس القصة تتكرر
المشهد يبدأ مبكرًا؛ طفل يبكي في أول أيام الحضانة، خوفًا من مكان لم يألفه بعد. لكن هذا الخوف الطبيعي لا يُستثمر دائمًا بشكل صحيح.
ثم تتكرر الحالة مع طلاب الصفوف الانتقالية في مصر — الأول والثالث الإعدادي، والأول والثالث الثانوي، بل وحتى السنة الجامعية الأولى — حيث تعود نفس مشاعر القلق، و كأن الطالب لم يتعلم كيف يتعامل معها، بل فقط كيف يتحملها.
الثانوية العامة: مركز القلق الأكبر
تمثل الثانوية العامة في مصر ذروة هذه الثقافة. فهي ليست مجرد مرحلة تعليمية، بل هي حدث اجتماعي ضخم، تتداخل فيه توقعات الأسرة مع ضغوط المجتمع.
في كثير من البيوت، تتحول النتيجة إلى ما يشبه “تحديد المصير”، فيُختزل مستقبل الطالب في مجموع، وتُختزل قيمته في رقم.
وهنا يفقد التعليم معناه الحقيقي، ويتحول إلى سباق قلق، لا رحلة تعلم.
مفارقة مصرية متكررة: نرفض… ثم نتقبل
المجتمع المصري يملك قدرة كبيرة على التكيف، لكنه غالبًا ما يبدأ بالرفض.
فقد سخر كثيرون من نظام “البوكليت” عند تطبيقه، ثم عادوا يطالبون به بعد أن لمسوا نتائجه.
وكذلك الحال مع كل محاولة لتطوير الثانوية العامة.
ومع طرح “البكالوريا”، يتكرر المشهد ذاته: تخوف واسع، بين من لم تتضح له الصورة، ومن يخشى التجربة من الأصل.
وهذا يعكس سمة واضحة: الخوف من المجهول، لا من التغيير نفسه.
البكالوريا في مصر: فرصة أم مصدر قلق جديد؟
البكالوريا في حد ذاتها ليست مشكلة، بل قد تكون فرصة حقيقية إذا طُبّقت برؤية واضحة.
فهي قادرة — نظريًا — على نقل الطالب من الحفظ إلى الفهم، ومن القلق إلى الثقة.
لكن نجاحها في مصر لن يتوقف على النظام فقط، بل على طريقة تقديمه للمجتمع، ومدى قدرته على طمأنة الأسرة قبل الطالب.
ماذا نحتاج فعليًا؟ (حلول واقعية)
لمواجهة ثقافة الخوف في التعليم المصري، نحتاج إلى خطوات عملية، منها:
– تقليل ربط مصير الطالب بنتيجة واحدة حاسمة
– توسيع بدائل التعليم والمسارات المختلفة
(فني، تكنولوجي، مهني)
– دعم الإرشاد النفسي داخل المدارس
بشكل حقيقي
– توعية الأسرة بأن النجاح له أكثر من طريق
هذه الخطوات لا تُلغي الخوف، لكنها تضعه في حجمه الطبيعي.
دور الأسرة المصرية: من الضغط إلى الدعم
الأسرة في مصر عنصر حاسم. فحين يتحول القلق على الأبناء إلى ضغط مستمر، تتضاعف الرهبة.
لكن حين يتحول هذا القلق إلى دعم وثقة، يتغير كل شيء.
فالطالب الذي يشعر أن قيمته لا ترتبط بمجموعه فقط، يكون أكثر قدرة على المحاولة، وأكثر استعدادًا للنجاح.
نحو عقلية مصرية أكثر توازنًا
التحدي الحقيقي ليس في تغيير نظام، بل في تغيير طريقة التفكير ، فعلينا أن نُعلّم أبناءنا أن الخطأ ليس نهاية، وأن التجربة ليست خطرًا، وأن المستقبل لا يُختزل في امتحان.
مصر التي لا تخاف التغيير
مصر ليست بلدًا يخشى التغيير، لكنها بلد اعتاد التكيف بعده.
وإذا نجحنا في كسر دائرة الخوف، فسنصنع جيلًا لا ينتظر الاطمئنان قبل أن يتحرك، بل يصنعه بنفسه.
وحينها فقط، لن تكون الامتحانات مصدر رهبة… بل مجرد محطة في طريق طويل نحو النجاح.
الخبير التربوي حسن السعدني




