وضوح التعليمي

أولادنا بين الراحة النفسية وجشع الدروس الخصوصية

بقلم: الإعلامي نبيل قشطي

مع اقتراب كل عام دراسي جديد، تتجدد مأساة الأسر المصرية في سباق مجهد لحجز الدروس الخصوصية حتى قبل أن تبدأ الدراسة. الظاهرة أصبحت لافتة للأنظار؛ فالإعلانات المضيئة للمدرسين تملأ الشوارع، في مشهد يلتهم الإجازة الصيفية التي يُفترض أن تكون مساحة لاستعادة نشاط الطالب وتجديد طاقته، لا للدخول في ضغوط دراسية مبكرة. الطالب ليس آلة ليعمل دون انقطاع، بل يحتاج إلى “شحن طاقته” ليدخل العام الجديد بحيوية واستعداد نفسي.

أعباء مالية كبيرة ونظام “الدرسين” في المادة الواحدة

بين الأرقام الفلكية للمدرسين، وأسعار الكتب الخارجية الباهظة، والمذكرات، ومصروفات اليد والانتقالات، تقع الأسرة في أزمة طاحنة لتدبير الميزانية أمام دخل لا يكفي.

ولم يعد الأمر يقتصر على درس واحد؛ بل أصبح الطالب يأخذ في المادة الواحدة أكثر من درس (للشرح، وللمسائل، وللمراجعة). والأدهى من ذلك، أن ولي الأمر يُضطر أحيانًا لإعطاء ابنه درسًا عند “مدرس الفصل” ضمانًا للدرجات، ودرسًا آخر عند مدرس مختلف ليضمن فهم المنهج!

مجموعات الدعم المدرسية.. هل حلّت المشكلة؟

على الرغم من إتاحة وزارة التربية والتعليم لـ “مجموعات الدعم المدرسية” لتكون بديلًا عن السناتر، إلا أن تكاليفها تُعد أحيانًا قريبة من الدروس الخارجية؛ نظرًا لتقسيم حصيلتها بين المدرس وإدارة المدرسة والإدارة التعليمية، فضلاً عن غياب تفعيل الاستثناءات الخاصة باليتامى وذوي الظروف الحالية بالشكل الكافي.

في المقابل، نجد بعض المدرسين يُعطون دروسًا خصوصية داخل الفسحة بأسعار مضاعفة لأبناء الأثرياء. وعندما يرفض بعضهم المشاركة في مجموعات الدعم ويوقعون إقرارات بذلك، يمارسون ضغوطًا على الطلاب وإجبارهم على أخذ الدرس الخصوصي، مهددين بخصم درجات التقييم أو الرسوب، فيضطر ولي الأمر للدفع دون أن يحضر الابن فعليًا!

أزمات المناهج وتأثيرها على كرامة ولي الأمر

تطوير المناهج وحذف بعض الأجزاء مؤخرًا أوقع ولي الأمر في فخ الكتب الخارجية القديمة غير الصالحة، بين مدرس يشرح المنهج القديم وآخر ينتظر المنهج الجديد. وحتى قبل إعلان مناهج نظام “البكالوريا” رسميًا، بدأ المدرسون بالفعل في إعطاء الدروس بيع المذكرات!

أما داخل السناتر، فيُحاسَب الطالب حتى على “إيجار الكرسي” وتكلفة التكييف، مما يضع الآباء والأمهات في موقف يحرجهم أمام أولادهم لعدم قدرتهم على التوازن بين الدخل المحدود والمصروفات التي لا تتوقف.

 الحلول: كيف نستعيد دور المدرسة؟

إن الاستعداد للعام الدراسي عملية متكاملة تبدأ من البيت وتمتد للمدرسة لتقديم بيئة محفزة توفر التعليم والراحة النفسية معًا، ولكي نصل إلى ذلك ونواجه مافيا الدروس الخصوصية، نحتاج إلى خطوات عملية:

  • تفريغ المدرس للشرح الفعلي: يجب إعطاء المدرس فرصة كافية للشرح داخل الفصل والطالب للفهم، بدلاً من استهلاك وقت الحصة كاملاً في تصحيح التقييمات اليومية التي تجعل المحصلة صفرًا.

  • صندوق الشكاوى المغلق: وضع صندوق شكاوى في كل فصل، يكتب فيه الطالب مشكلته مع اسم المدرس، ولا يُفتح إلا عن طريق إدارة المدرسة مع الحفاظ على سرية اسم الطالب؛ لمعالجة السلبيات فور تكرار الشكوى.

  • تفعيل مجلس الآباء: إعادة الروح لمجالس الآباء المهمشة في أغلب المدارس، لبحث حالات ضعف الطلاب وضمان متابعتهم بشكل رسمي.

  • استطلاع رأي الطلاب: أخذ رأي الطلاب في الحلول المقترحة والاستماع لأفكارهم، فالطالب هو المحور الأساسي للعملية التعليمية.

خاتمة: التصدّي لمافيا الدروس الخصوصية لن يتحقق بالقرارات الورقية فقط، بل بإعادة الثقة للمدرسة والتوازن لحياة أبنائنا النفسية والمادية

الإعلامي نبيل قشطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى