أخبار العالم

.الحرب الأمريكية الإيرانية… قراءة في الأسباب والسيناريوهات المحتملة

بقلم. د. دينا خليفة، دكتوراه في العلوم السياسية
باحثة ومتخصصة في العلاقات الدولية والأمن القومي

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحلها السياسية والعسكرية في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو صراع تجاوز حدود المواجهة التقليدية ليصبح أزمة إقليمية ودولية ألقت بظلالها على الأمن والاقتصاد والاستقرار العالمي.
ومن وجهة نظري، فإن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، كانت صاحبة الدور الأساسي في إشعال هذا الصراع منذ بدايته، وأن ما شهدته المنطقة لم يكن مجرد ردود أفعال متبادلة، وإنما جاء في إطار استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وأرى أن الهدف لم يكن يقتصر على الضغط على إيران، وإنما امتد إلى خلق حالة من التوتر الدائم داخل المنطقة، وإثارة المخاوف بين إيران ودول الخليج العربية، بما يؤدي إلى استنزاف الجميع اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا، وإضعاف قدراتهم على المدى الطويل.
ولا يمكن تناول هذا المشهد بمعزل عما حدث في غزة وجنوب لبنان، حيث شهد القطاع، منذ السابع من أكتوبر، حربًا مدمرة خلّفت خسائر بشرية هائلة، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وأزمة إنسانية غير مسبوقة تمثلت في نقص الغذاء والدواء وصعوبة وصول المساعدات، فضلًا عن التحديات الهائلة التي ستواجه إعادة الإعمار. كما امتد التصعيد إلى جنوب لبنان، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.
وفي تقديري، فإن استمرار الضغوط الأمريكية في ملف مضيق هرمز يمثل أحد أهم أسباب استمرار الأزمة، إذ تعتبر إيران أن هذا المضيق يمثل جزءًا من أمنها القومي ولن تسمح بأي ترتيبات ترى أنها تمس سيادتها أو نفوذها فيه.
وأعتقد أن الولايات المتحدة تدرك أن إيران لن تستهدف الأراضي الأمريكية بصورة مباشرة، وإنما ستتجه، حال التصعيد، إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية الموجودة في منطقة الخليج. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ قد يُفسَّر هذا التصعيد على أنه تهديد لأمن الخليج واستقراره، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق حالة التوتر داخل المنطقة وتحقيق هدف يتمثل، من وجهة نظري، في زيادة الانقسام واستنزاف القوى العربية والإقليمية.
كما أرى أن أي محاولة لجر دول أخرى إلى دائرة الصراع لن تخدم سوى اتساع الأزمة. وفي هذا السياق، أتابع باهتمام ما أثير بشأن العثور على طائرة مسيرة في ميناء دمياط، وأرى أن مثل هذه الوقائع قد تُستخدم لمحاولات استفزاز أطراف إقليمية أو توسيع دائرة المواجهة، وإن كانت المسؤولية عن أي حادث من هذا النوع لا تُحسم إلا من خلال نتائج التحقيقات الرسمية.
ومن هنا، أرى أن الموقف المصري اتسم بدرجة كبيرة من الحكمة والوعي السياسي، حيث حافظت الدولة المصرية على ثوابتها في حماية أمنها القومي، ورفضت الانجرار إلى أي صراع لا يخدم مصالحها القومية، مع الاستمرار في اتباع سياسة خارجية متوازنة تقوم على الحفاظ على علاقات مستقرة ومتوازنة مع الدول العربية والقوى الدولية، بما يحقق المصالح القومية المصرية ويعزز الاستقرار الإقليمي. وأعتقد أن هذا النهج يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، وأن قوة الدولة لا تُقاس بالانخراط في الصراعات، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها القومية، واتخاذ قراراتها باستقلالية، والحفاظ على أمنها واستقرارها.
السيناريوهات المتوقعة✨️
إذا استمرت الولايات المتحدة، من وجهة نظري، في النهج الحالي اذا لم تخفض الولايات المتحدة املاءاتها وشروطها التفاوضية ولم تفتح الباب أمام تسوية حقيقية، فمن المرجح أن تستمر حالة التصعيد، وأن تتوسع دائرة الصراع بصورة قد يصعب احتواؤها، بما يترتب عليه خسائر اقتصادية وعسكرية وأمنية تمس المنطقة والعالم.
أما السيناريو الثاني، فهو نجاح المسار الدبلوماسي في التوصل إلى اتفاق يراعي المصالح المشروعة لجميع الأطراف، ويجنب المنطقة مزيدًا من الاستنزاف، ويؤدي إلى وقف التصعيد واحتواء الأزمة قبل تحولها إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ماذا علينا أن نفعل في هذه المرحلة؟✨️

إن المرحلة الراهنة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة والوعي، سواء على مستوى القيادة أو الشعوب، لأن الحروب لا تُدار بالسلاح وحده، وإنما تُدار أيضًا بالمعلومات، والشائعات، والحرب النفسية، ومحاولات التأثير على الرأي العام.

ومن هنا، فإن مسؤولية المواطن لا تقل أهمية عن مسؤولية الدولة، وذلك بعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة، أو تداول الشائعات التي قد تُستخدم لإثارة الفتنة أو بث الخوف أو زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة. كما أن الوعي بحجم التحديات التي تمر بها المنطقة أصبح ضرورة وطنية وقومية، خاصة في ظل محاولات بعض القوى استغلال الأزمات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

وأرى أن مصر، قيادةً وشعبًا، مطالبة اليوم بالاستمرار في التمسك بالحكمة وضبط النفس، والحفاظ على وحدتها الداخلية، والالتفاف حول مصالحها القومية، وعدم الانجرار إلى أي صراع لا يخدم أمنها القومي أو استقرارها. كما أن على الشعوب العربية أن تدرك أن وحدة الصف، وتغليب المصالح المشتركة، ورفض محاولات بث الفرقة والانقسام، تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي مخططات تستهدف تفكيك المنطقة أو زعزعة استقرارها.

فإذا كان هناك من يسعى إلى صناعة الفوضى واستنزاف مقدرات دول المنطقة، فإن الرد الحقيقي لا يكون إلا بالوعي، ووحدة الصف، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتقديم المصلحة القومية على أي اعتبارات أخرى.

✨️وفي النهاية، تبقى الحروب مهما طالت إلى زوال، أما الدول التي تحافظ على تماسكها الداخلي، وتتمسك بالحكمة في إدارة أزماتها، فهي وحدها القادرة على حماية أمنها واستقرارها وصناعة مستقبلها.

حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، وحفظ أمتنا العربية من الفتن والصراعات، وألهم الجميع الحكمة لتغليب صوت العقل والسلام، بما يحفظ أمن المنطقة واستقرارها ويصون مصالح شعوبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى