أراء وقراءات

 التعصب الأعمى: حين يُعْمِي “الانتماء” العيون عن “الحق”

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

تستعيد الذاكرة التاريخية والاجتماعية أحد أبرز النصوص التي تُجسّد ظاهرة التعصب القومي والقبلي الأعمى، وهي الرواية الشهيرة التي ذكرها ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” حول أتباع مسيلمة الكذاب، حين قال أحدهم:

“والله إننا لنعلم أن مسيلمة كذاب، ولكن كاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مُضَر!”

تُمثّل هذه المقولة النموذج التاريخي المكتمل للتعصب الذي يلغي العقل والضمير؛ حيث يقود الانتماء الفئوي صاحبه إلى اتباع الباطل الصريح ومحاربة الحق الواضح، لمجرد أن صاحب الحق لا ينتمي إلى قبيلته أو فئته.

صور التعصب في الحياة اليومية: المشاكل الزوجية والبيئة الأسرية

لا يقتصر التعصب الأعمى على العصور القديمة أو الميادين السياسية، بل يتجلى بوضوح في العلاقات الاجتماعية اليومية:

1. حالات الطلاق والانفصال

عند وقوع الطلاق، تجد الدفاع الأعمى يعمي الأبصار؛ حيث تنحاز عائلة الزوج بالكامل لصفه معتبرة إياه “المظلوم الوحيد”، في حين تقف عائلة الزوجة في الموقف المقابل داعيةً لها بالنجاة!

  • الحقيقة الواقعية: تشير التجارب والحياة العملية إلى أن المسؤولية في الغالب مشتركة بين الطرفين وبنسب متفاوتة، إلا أن نادرًا ما يعترف قريب بمسؤولية قريبه أو خطئه.

2. المدارس والخلافات الطلابية

يتكرر المشهد عندما يهرع أولياء الأمور إلى المدارس للدفاع عن أبنائهم:

  • يعلم الأهل تمامًا مدى شقاوة الابن وصعوبة التعامل معه داخل المنزل.

  • بمجرد حدوث مشكلة في المدرسة، يُنحي الأهل الواقع جانبًا ويتعاملون مع الشكوى باعتبار الابن مبرءًا من كل عيب، ويدخلون في صراع مع الكادر التعليمي.

السياسة والعلاقات بين الشعوب: غياب الحكمة وإذكاء الفتن

تتسع دائرة التعصب عندما تنتقل إلى مستوى الخلافات بين الدول والمجتمعات:

  1. التعقيد السياسي: لم تعد العلاقات الدولية محكومة بفرق بين “حق محض” و”باطل محض” كما في صدر الإسلام، بل أصبحت محكومة بمصالح ورؤى وسياسات معقدة.

  2. شيطنة الآخر: يقع كثيرون في فخ الانحياز الأعمى عبر تحويل كل خلاف سياسي إلى حرب بين “أهل الحق” و”أهل الباطل”، مما يؤدي إلى:

    • تسييس الدين واستخدام الفتاوى لصالح طرف ضد آخر.

    • خوض الملاسنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقطع الأرحام.

    • تأجيج الفتن و”صب الزيت على النار” بدلاً من الدعوة للإصلاح والسعي للصلح.

المنهج النبوي في تصحيح مفهوم “النصرة”

جاء الإسلام لينهي مفاهيم الجاهلية القائمة على التعصب للنسب أو العشيرة، وأقر قواعد العدل المطلق؛ فكان أبو لهب في النار رغم كونه عمّ النبي ﷺ، وكان بلال بن رباح في الجنة رغم أنه كان عبدًا يُباع ويُشترى.

وقد وضع النبي ﷺ المفهوم الحقيقي والعادل لنصرة القريب أو الأخ، كما جاء في الحديث الشريف المروي في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

قال رسول الله ﷺ: “انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا”

فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟

قال: “تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ”.

إن النصرة الحقيقية للقريب أو الصديق أو الوطن لا تكون بموافقته على الباطل أو التغطية على أخطائه، بل بالأخذ على يده ومنعه من الظلم والاعتراف بالحق، فالحق أحق أن يُتَّبع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى