أراء وقراءات

الإعلام الشخصي.. عندما يصبح كل هاتف غرفة أخبار

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال، ولا شاشة نتابع من خلالها ما يحدث حولنا. فالهاتف الذي نحمله في أيدينا أصبح قادرًا على أن يضعنا داخل المشهد الإعلامي نفسه؛ نتابع، ونصور، ونعلق، ونشارك، ونعيد نشر ما يصل إلينا، لنصبح جزءًا من حركة المعلومات التي تتدفق كل لحظة.

في الماضي، كان الجمهور يتلقى ما تنتجه المؤسسات الإعلامية، أما اليوم فقد أصبح المستخدم طرفًا في عملية أوسع. صورة يلتقطها شخص عادي قد تصل إلى آلاف الأشخاص، ومقطع قصير قد يتحول إلى موضوع للنقاش، وخبر نعيد نشره قد يجد طريقه إلى جمهور جديد. لم يصبح الجميع صحفيين، لكن الجميع أصبحوا يمتلكون بدرجات مختلفة القدرة على المشاركة في المشهد الإعلامي والتأثير في مسار المحتوى.

*من المتابعة إلى المشاركة

لم تعد علاقتنا بالمحتوى الرقمي قائمة على المشاهدة فقط. فكل مستخدم يختار ما يتابعه، وما يعلق عليه، وما يشاركه مع الآخرين. ومع كل تفاعل، ينتقل المحتوى إلى دائرة جديدة ويكتسب فرصة إضافية للانتشار.

وهنا تظهر فكرة الإعلام الشخصي؛ فالهاتف أصبح مساحة إعلامية صغيرة في يد كل فرد، تجمع بين المتابعة والتفاعل والمشاركة، وتمنح المستخدم قدرة لم تكن متاحة له من قبل، لكن هذه القدرة لا تقف عند حدود التكنولوجيا، بل ترتبط بالوعي الذي يحكم استخدامها.

*حين تصبح المشاركة مسؤولية

سهولة النشر قد تجعلنا نتعامل مع المشاركة باعتبارها فعلًا عابرًا. نرى صورة فتصلنا فننقلها، ونشاهد مقطعًا مثيرًا فنعيد نشره، دون التوقف أمام مصدره أو سياقه أو أثره.

والحقيقة أن كل ضغطة على زر المشاركة يمكن أن تمنح المحتوى انتشارًا جديدًا. قد ننقل معلومة غير دقيقة، أو صورة منزوعة من سياقها، أو مشهدًا حقيقيًا لكنه ينتهك خصوصية أصحابه أو لا يراعي ظروفهم الإنسانية.

لذلك، فإن الوعي الرقمي لا يقتصر على معرفة كيفية استخدام الهاتف، بل يشمل معرفة متى نستخدم قدرتنا على النشر ومتى نتوقف.

*ليس كل ما نراه يصلح للنشر

امتلاك الكاميرا لا يعني أن كل ما نصوره يجب أن يتحول إلى محتوى، وامتلاك القدرة على المشاركة لا يعني أن كل ما يصل إلينا يستحق الانتشار.

فبعض اللحظات تحتاج إلى احترام أكثر من حاجتها إلى المشاهدات، وبعض المعلومات تحتاج إلى التحقق قبل المشاركة، وبعض الصور قد تترك أثرًا مؤذيًا في أصحابها حتى لو كانت حقيقية.

وهنا يصبح الوعي هو الفارق الحقيقي بين مستخدم يمتلك هاتفًا، ومستخدم يعرف حجم المسؤولية التي يمنحه إياها هذا الهاتف.

*الهاتف في أيدينا.. والوعي مسؤوليتنا

لقد منحتنا التكنولوجيا قدرة غير مسبوقة على المشاركة في صناعة المشهد الإعلامي. الهاتف يستطيع أن يوثق الحدث، وينقل المعلومة، ويفتح النقاش، ويصل إلى جمهور واسع خلال دقائق.

لكن امتلاك القدرة لا يكفي وحده. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في سرعة النشر، وإنما في الوعي الذي يسبقها، فالهاتف أصبح بالفعل غرفة أخبار صغيرة في أيدينا، لكن ما تحتاجه هذه الغرفة قبل أي شيء هو محرر اسمه الوعي.

 

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى