شئون عربيةالسودان

  يوميات وطن ينزف (28) وما زال النيل يجري بحثا عن السلام المفقود

   قلبي سوداني (20)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى مدارس النزوح المؤقتة بمدينة بورتسودان، جلست طفلة سودانية تُدعى “آمنة” ترسم بيتًا صغيرًا على ورقة مهترئة.

رسمت شجرة أمام باب بيتها القديم، ونافذة مفتوحة، وسماء زرقاء واسعة، ثم توقفت قليلًا وسألت معلمتها: “لو الحرب انتهت… إحنا بنرجع بيتنا تاني؟

لم تكن المعلمة تملك إجابة واضحة اكتفت بابتسامةٍ حاولت أن تبدو مطمئنة، بينما كانت عيناها تمتليان بشيءٍ يُشبه الدموعَ المُتحجّرةَ.

هذه الطفلة لم تكن تسأل عن بيتٍ من الطوب فقط، بل كانت تسأل عن معنى الوطن حين يتعب، وعن السلام حين يصبح حلمًا.

فبعد كل هذه السنوات من الصراع، لا يزال السؤال الأكبر معلّقًا فوق امال السودانيين: متى يأتي السلام؟

السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد وقفٍ لإطلاق النار، ولا اتفاقات تُوقَّع تحت أضواء الكاميرات ثم تنهار عند أول اختبار، بل سلام حقيقي

سلام يلمّ شتات الناس، ويعيد الحياة إلى المدن والقرى، ويمنح الأطفال فرصة ليكونوا مجرد أطفال، لا شهودًا على الخراب.

السلام ليس هدنة… بل إعادة بناء روح كاملة

الهدنة قد توقف صوت الرصاص لساعات أو لأيام، لكن السلام الحقيقي أعمق من ذلك بكثير.

السلام هو أن ينام الطفل السوداني دون أن يفزع من صوت انفجار وأن تذهب الأم إلى السوق دون أن تخشى ألا تعود وأن يخرج الأب إلى عمله وهو يفكر في لقمة العيش، لا في طريق النجاة.

السلام هو أن تستعيد المدن ذاكرتها، وأن تعود الشوارع أماكن للحياة لا ممرات للخوف.

الخرطوم، دارفور، الجزيرة، النيل الأزرق، كردفان… كل هذه المدن وغيرها لا تنتظر فقط نهاية الحرب، بل تنتظر أن تعود إليها روحها التي سُرقت منها بالتدريج.

فالمدن ليست خرائط وجسورًا وأسواقًا فقط، بل وجوه الناس، وروائح البيوت، وضحكات الأطفال، والأمان البسيط الذي يجعل الإنسان يشعر أنه ينتمي إلى مكان.

العدالة… الطريق الوحيد لسلامٍ لا ينهار

السودانيون يعرفون جيدًا أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى فوق إنكار الألم فالقتل، والتهجير، والنهب، والفقد… كلها جروح لا تختفي بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

لهذا، فإن العدالة ليست رفاهية، وليست انتقامًا كما يظن البعض، بل هي الجسر الوحيد الذي يمكن أن تعبر عليه الثقة من جديد.

فالإنسان الذي فقد ابنه، أو رأى بيته يحترق، أو عاش سنوات النزوح والخوف،

لا يريد خطابًا جميلًا فقط، بل يريد أن يشعر أن وجعه لم يُهمَل، وأن الحقيقة لم تُدفن تحت ركام السياسة.

لكن العدالة وحدها لا تكفي إن لم تُرافقها مصالحة حقيقية.

والمصالحة لا تعني النسيان، ولا تعني أن يتصرف الناس وكأن شيئًا لم يحدث،

بل تعني الاعتراف، والإنصاف، وفتح طريق يسمح للناس أن يعيشوا معًا مرة أخرى دون أن يحمل كل طرف خوفه في قلبه.

السودان لا يحتاج إلى سلام يجمّد الحرب مؤقتًا، بل إلى سلام يعالج ما تركته الحرب داخل النفوس.

الشباب… الفرصة الأخيرة لإنقاذ المستقبل

إذا كان السلاح قد مزّق السودان، فإن الشباب هم القادرون على جمع ما تبقى منه.

الشباب السوداني لم يعد مجرد جيل يشاهد الأحداث من بعيد، بل أصبح جيلًا عاش الحرب بكل تفاصيلها: النزوح، الفقد، الخوف، وانهيار الأحلام.

ومع ذلك، ما زال كثير منهم يقاوم بطريقة مختلفة: بالتطوع، وبناء المطابخ الجماعية، وتعليم الأطفال، وتقديم المساعدات، ومحاولة الحفاظ على فكرة الوطن حتى لا تنهار بالكامل.

هؤلاء الشباب يمكنهم كسر دائرة الانتقام، وصناعة لغة جديدة لا تقوم على الكراهية والانقسام.

ومنظمات المجتمع المدني، من معلمين وصحفيين ومتطوعين وأطباء، يمكن أن تكون البذرة الأولى لسودان مختلف: سودان يتعلم كيف يبني الإنسان قبل أن يبني الجدران.

الاقتصاد… حين يصبح الخبز جزءًا من السلام

لا يمكن فصل السلام عن الاقتصاد فالبلد الذي ينام فيه الناس جائعين، يصعب أن يعيش مستقرًا.

السودان بلد غني بشكل يؤلم القلب: ذهب، ونفط، وزراعة، ومياه، وثروة بشرية قادرة على النهوض لو أُعطيت فرصة حقيقية.

لكن الحروب حوّلت كثيرًا من هذه النعم إلى وقود للصراع بدل أن تكون جسورًا للتنمية.

السلام الحقيقي يعني أن يجد الشاب وظيفة بدل البندقية وأن تعود الأرض للزراعة بدل أن تتحول إلى ساحة قتال وأن يشعر المواطن أن ثروة بلده تصل إليه، لا تمرّ أمامه نحو جيوب الحرب فالاستقرار الاقتصادي ليس ملفًا منفصلًا عن السلام، بل هو أحد أعمدته الأساسية.

النساء والأطفال… قلب الحكاية كلها

في كل الحروب، تدفع النساء الثمن الأكبر بصمت فالمرأة السودانية لم تكن مجرد شاهدة على المأساة، بل أصبحت عمود البيت حين انهارت أشياء كثيرة حولها.

  • أمّ تحمل أبناءها بين النزوح والجوع والخوف.
  • وزوجة تنتظر خبرًا عن زوج مفقود.
  • وفتاة تحاول أن تكمل تعليمها وسط عالم يتداعى.

أما الأطفال، فهم أكثر من تأذى، وأكثر من يستحق فرصة جديدة فالطفل الذي يكبر على صوت الرصاص، لا يحتاج فقط إلى الطعام والدواء، بل يحتاج أن يتعلم معنى الأمان من جديد.

السلام الحقيقي هو أن يعود الطفل السوداني ليرسم شجرة، لا دبابة وأن يحفظ أسماء الطيور، لا أسماء الأسلحة.

السودان… وطن يرفض أن يموت

كل هذه الحكايات لم تُكتب لنشر اليأس، بل لأن الاعتراف بالألم هو أول طريق النجاة.

السودان اليوم متعب، منهك، ومثقل بجراحٍ كثيرة، لكنّه لم يفقد قدرته على الحلم.

فهذا الشعب الذي استطاع أن يقتسم الخبز في زمن المجاعة، وأن يحافظ على دفئه الإنساني وسط الخراب، قادر أيضًا على أن يعيد بناء وطنه يومًا ما.

السلام ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة الحرب:

شجاعة الاعتراف، وشجاعة التسامح، وشجاعة أن يختار الناس الوطن بدل البنادق.

وربما سيأتي يوم، تعود فيه “آمنة” إلى بيتها الحقيقي، وتزرع شجرتها التي رسمتها على الورقة الصغيرة، وتضحك لأنها لم تعد تخاف من الليل.

سيأتي يوم تعود فيه الخرطوم لتضيء بالحياة لا بالنيران، وتعود دارفور أرضًا للزرع لا للنزوح، ويجلس السودانيون حول قهوتهم وأغانيهم القديمة وهم يتحدثون عن الحرب كذكرى بعيدة… لا كواقع يعيشونه كل صباح.

لأن الأوطان التي تُحب الحياة بهذا العمق، قد تتعب… لكنها لا تموت.

فالسودان ليس أرضًا أنهكتها الحروب فحسب، بل روحٌ عظيمة تعلّمت، عبر التاريخ، كيف تنهض كلما ظنّ العالم أنها تعثرت.

وما دام النيل يجري، وما دامت القلوب تؤمن بالغد، فإن السودان سيبقى قادرًا على أن يكتب فصلاً جديدًا؛ فصلاً تصنعه الحياة لا الحرب، ويبنيه الأمل لا الخوف، وتضيئه قلوب شعبٍ آمن دائمًا بأن بعد كل ليلٍ طويل… لا بد أن يولد فجرٌ جديد.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى