أمريكا وتعديل الشراع في السودان: من كواليس أديس أبابا إلى خريطة الميدان

كتبت – د. هيام الإبس
تشهد السياسة الأمريكية تجاه الملف السوداني تحولاً استراتيجياً لافتاً، يتجاوز مجرد إدارة تداعيات الصراع إلى محاولة إعادة رسم معادلة الحل السياسي والأمني في المنطقة.
وفي وقت تتصاعد فيه حدة المعارك الميدانية وتتداخل الأزمة مع تعقيدات الإقليم، يأتي الوجود الدبلوماسي الأمريكي المكثف من قلب العاصمة الإثيوبية ليؤكد أن واشنطن باتت تتعامل مع الحرب السودانية كتهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي، وليس مجرد نزاع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع.
أديس أبابا: غرفة عمليات دبلوماسية متقدمة
يعكس استقرار القائم بالأعمال الأمريكي جوناثان هوارد في أديس أبابا لإدارة مكتب شؤون السودان، تمسك واشنطن بالحفاظ على حضور دبلوماسي مباشر وفاعل. ولا يُعد هذا الاختيار مجرد ترتيب إداري فرضته الدواعي الأمنية في الخرطوم، بل خطوة قُرأت باعتبارها تمركزاً في موقع جيو-سياسي يتيح للمسؤول الأمريكي—المتسلح بخبرة عريضة في أفريقيا ومجلس الأمن القومي—متابعة ملفات الصراع المتشابكة، بدءاً من أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وصولاً إلى قضايا الهجرة والسلاح والتداخل الحدودية مع دول الجوار.
تحركات واشنطن: من الإغاثة إلى حظر السلاح
تزامن هذا الوجود مع تحركات دبلوماسية مكثفة يقودها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، الذي ينشط في تواصله مع القوى الدولية والإقليمية للدفعة نحو:
تثبيت هدنة إنسانية عاجلة: بالتنسيق مع شركاء دوليين لتأمين ممرات الإغاثة وتقديم المساعدات.
توسيع حظر التسليح: التحرك داخل مجلس الأمن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلاً من إقليم دارفور فحسب، بغية شل قدرة الأطراف على استمرار القتال.
الحد من التدخلات الخارجية: إبداء القلق من امتداد شرارة الصراع إلى دول الجوار—مثل تشاد—والعمل على تجفيف خطوط الإمداد العسكري عبر الحدود.
تطورات الميدان: تحول التكتيكات وميزان القوة
ميدانياً، تتزامن الضغوط الدبلوماسية مع متغيرات بارزة على الأرض؛ إذ يواصل الجيش السوداني توسيع سيطرته مستفيداً من تحسن قدرته على التحرك نحو كردفان ودارفور، في مقابل تحولات تكتيكية تفرض واقعاً ميدانياً جديداً:
شمال وجنوب كردفان: نجح الجيش في تأمين طريق الصادرات الحيوي (الخرطوم – الأبيض) وفك الحصار عن مدينتي كادقلي والدلنج، مما أتاح له تقطيع أوصال تجمعات قوات الدعم السريع وعزل جيوبها المتبقية.
إقليم دارفور: تعتمد القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش استراتيجية حصار المعاقل الرئيسية (وفي مقدمتها الجنينة) عبر السيطرة على الطرق والمناطق الحدودية الحاكمة مثل كلبس وبئر أم سليبة لقطع خطوط الإمداد بالكامل.
تحول التكتيكات العسكرية: يلجأ “الدعم السريع” بصورة مكثفة إلى الطائرات المسيّرة وشن ضربات جوية لاستهداف مواقع الجيش، تعويضاً عن تراجع قدرته على المناورة البرية، مما يحول الصراع تدريجياً إلى حرب استنزاف وقطع لخطوط التموين.
معادلة التسوية المعقدة
تضع هذه المعطيات الدبلوماسية الأمريكية أمام اختبار حقيقي؛ إذ إن التقدم الميداني للجيش قد يدفعه للتمسك بشروطه، في حين يسعى الدعم السريع للاستعانة بالإمداد الخارجي والمسيّرات لإطالة أمد النزاع.
وبين مطالبات الشارع والمدنيين بتسوية جذريّة لا تُعيد إنتاج أسباب الصراع، وحاجة المجتمع الدولي إلى وقف عاجل للنار، تبرز مهمة هوارد في أديس أبابا كجسر يحاول ربط التحركات الميدانية بالجهود السياسية لمنع انزلاق السودان نحو حرب إقليمية مفتوحة.



