
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في صباحٍ بارد من شتاء الجنوب اللبناني، عادت إحدى العائلات إلى قريتها بعد أشهرٍ من النزوح لم يكن البيت كما تركته؛ الجدران أصابها الدمار، والنوافذ غابت، والسقف حمل آثار القصف.
لكن في زاوية الحديقة، كانت شجرة زيتون عجوز لا تزال واقفة اقترب منها الجد، مرّر يده على جذعها، ثم قال لحفيده: “هذه الشجرة تعرف أننا سنعود يوما“
قد تبدو هذه الحكاية بسيطة، لكنها تختصر لبنان كله.
ففي هذا البلد، لا تُقاس الأشياء بما تبقى من الحجر، بل بما يبقى في قلوب الناس قد تتغير المدن، وتتبدل الظروف، وتتعاقب الأزمات، لكن هناك شيئًا عصيًا على الانكسار اسمه الإنسان اللبناني؛ ذلك الإنسان الذي تعلّم، عبر قرون طويلة، أن يعيد ترتيب حياته كلما بعثرتها الرياح.
جغرافية ملهمة وتاريخ حضاري عريق
لهذا، حين نتحدث عن لبنان، لا ينبغي أن نبدأ بالأزمات، ولا بالعناوين السياسية، ولا بالأرقام الاقتصادية، بل بالإنسان اللبناني لأنه المفتاح الحقيقي لفهم هذا الوطن.
لبنان ليس دولة كبيرة على الخريطة فمساحته لا تتجاوز 10,45 كيلومترًا مربعًا، ويبلغ عدد سكانه قرابة 5.8 ملايين نسمة وفق أحدث بيانات البنك الدولي.
لكن الغريب أن حضوره في الذاكرة العربية والعالمية يبدو أكبر بكثير من حدوده الجغرافية وكأن هذا البلد الصغير قرر منذ آلاف السنين أن يعوض ضيق المساحة باتساع الأثر.
من يقف على شاطئ البحر المتوسط في بيروت، ثم يتجه شرقًا نحو جبال لبنان، قبل أن يصل إلى سهل البقاع، يشعر وكأنه عبر عدة دول لا دولة واحدة.
ففي ساعات قليلة فقط، ينتقل من الساحل إلى القمم، ومن المدن الحديثة إلى القرى الجبلية، ومن كروم العنب إلى غابات الأرز التي أصبحت رمزًا خالدًا للبنان وكأن الجغرافيا كانت أول معلم شكّل شخصية اللبنانيين.
فالبحر لم يكن مجرد مساحة زرقاء، بل نافذة مفتوحة على العالم ومنه انطلقت السفن الفينيقية تحمل الأخشاب والزجاج والأصباغ والحروف، لتربط شرق المتوسط بغربه، وتحوّل هذا الساحل الصغير إلى محطة للتجارة والثقافة منذ آلاف السنين.
أما الجبال، فلم تكن مجرد تضاريس، بل كانت ملاذًا للناس، تحفظ تنوعهم، وتصوغ فيهم روح الاعتماد على الذات، والقدرة على التأقلم، والإصرار على البقاء مهما اشتدت الظروف.
لهذا يبدو الانسان اللبناني خليط بين البحر في انفتاحه، ومن الجبل في صلابته وعبر التاريخ، تعاقبت على لبنان حضارات وإمبراطوريات متعددة، وترك كل عصر بصمته في المدن، والعمارة، واللغة، والثقافة، ولم يكن هذا التنوع سببًا في ذوبان الهوية، بل أصبح جزءًا من ثرائها، حتى صار لبنان أشبه بمتحف مفتوح يعيش فيه الماضي إلى جوار الحاضر.
ليس غريبًا أن يجد الزائر في مدينة واحدة آثارًا رومانية، وكنائس قديمة، ومساجد تاريخية، وأحياء حديثة، ومقاهي ثقافية، وجامعات عريقة، وأسواقًا شعبية، كلها تتجاور في مساحة محدودة هذه الكثافة الحضارية هي أحد أسرار حضور لبنان العالمي.
مركز ثقل ثقافي واقتصادي عابر للحدود
لكن قيمة لبنان لا تكمن في تاريخه وحده فالقرن العشرون شهد تحوله إلى واحد من أهم المراكز الثقافية والتعليمية والإعلامية في المنطقة حيث خرجت من جامعاته أجيال من الأطباء والمهندسين والمفكرين والصحفيين، بينما لعبت دور النشر والصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية اللبنانية دورًا بارزًا في تشكيل المشهد الثقافي العربي لعقود طويلة.
ولم يكن الإبداع اللبناني حكرًا على مجال واحد؛ فقد امتد إلى الأدب، والموسيقى، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، حتى أصبح اسم لبنان حاضرًا في المحافل الثقافية العربية والدولية بصورة لافتة.
أما الاقتصاد، فقد عرف لبنان لعقود بأنه اقتصاد يقوم على الخدمات، والمصارف، والسياحة، والتعليم، والصحة، والاستثمار ورغم أن البلاد تعرضت منذ عام 2019 لأزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، ترافقت مع تراجع حاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات الفقر، فإن القطاع الخاص ظل يُظهر قدرة ملحوظة على التكيف والابتكار، مع بقاء التحويلات المالية من اللبنانيين في الخارج أحد أهم مصادر دعم الاقتصاد وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التحويلات مثلت ما يزيد على ثلث الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة، وهي من أعلى النسب عالميًا.
وهنا يظهر وجه آخر للبنان فهذا البلد لا يعيش داخل حدوده فقط هناك ملايين اللبنانيين وأبناء الجاليات اللبنانية المنتشرين في مختلف قارات العالم، يحملون معهم لغتهم وعاداتهم، ومطابخهم، وشركاتهم، ومبادراتهم وحيثما استقروا، تركوا أثرًا في التجارة، والطب، والهندسة، والتعليم، والفنون، وريادة الأعمال.
حتى أصبح يقال إن لبنان وطن يقيم نصفه داخل حدوده، بينما يعيش نصفه الآخر في العالم.
ولا يقتصر أثر هذا الانتشار على الاقتصاد، بل يمتد إلى الثقافة والهوية أيضًا فالجاليات اللبنانية ظلت على مدى عقود جسورًا للتواصل بين لبنان والعالم، وأسهمت في الحفاظ على حضور اسمه في مختلف القارات.
ولعل أجمل ما يميز الإنسان اللبناني هو قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى طقوس للحياة.
- فالقهوة ليست مجرد مشروب، بل مناسبة للقاء.
- والمائدة ليست مكانًا للطعام فقط، بل مساحة للعائلة.
- والقرية ليست عنوانًا في بطاقة الهوية، بل ذاكرة يعود إليها الناس مهما ابتعدوا.
لهذا، حين يهاجر اللبناني، لا يحمل حقيبة سفر فحسب، بل يحمل معه رائحة البيت، ولهجة الأم، وصوت البحر، وأغنية فيروز في الصباح، وصورة شجرة زيتون أو أرزة بقيت تنتظره.
روح الحياة وأمل التعافي والتحدي
ورغم كل ما مر به لبنان خلال السنوات الأخيرة من أزمة اقتصادية، وتحديات اجتماعية، واعتداءات إسرائيلية متكررة ألحقت أضرارًا بالمدنيين والبنية التحتية، فإن المجتمع اللبناني واصل البحث عن سبل للحفاظ على التعليم، واستمرار الخدمات الصحية، ودعم المبادرات المجتمعية، وإعادة إعمار ما يمكن إعماره.
يؤكد البنك الدولي أن البلاد ما زالت تواجه تحديات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، مع وجود مؤشرات على تحسن نسبي في بعض القطاعات خلال عام 2025، لكنها تبقى بحاجة إلى إصلاحات واستثمارات طويلة الأمد.
وربما لهذا السبب يصعب اختصار لبنان في خبر عاجل، أو أزمة اقتصادية، أو مشهد دمار فلبنان أكبر من ذلك بكثير.
إنه قصة إنسان عرف كيف يصنع الحياة على مساحة صغيرة، وكيف يحول التنوع إلى مصدر غنى، والثقافة إلى جسر، والتعليم إلى استثمار، والاغتراب إلى امتداد، والأمل إلى عادة يومية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحظى لبنان بكل هذا الاهتمام؟
بل: كيف استطاع هذا الوطن الصغير أن يترك كل هذا الأثر؟
قد يكون الجواب في البحر الذي علم أبناءه الانفتاح، أو في الجبال التي علمتهم الصبر، أو في التاريخ الذي منحهم ذاكرة طويلة، أو في الإنسان الذي لم يتوقف يومًا عن المحاولة وربما في كل ذلك معًا.
فالأوطان لا تُقاس بمساحتها، ولا بعدد سكانها، بل بما تمنحه للعالم من معرفة، وثقافة، وأمل، وإنسانية.
لهذا، سيظل لبنان، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأزمات، وطنًا يختصر قارة في الجغرافيا، ويختصر حضارات في التاريخ، ويختصر إرادة الحياة في إنسانه.
فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







