الصراط المستقيم

أخطاء شائعة في الوقف والابتداء أثناء قراءة القرآن الكريم ..الرسائل 22 و 23 و 25

كتب – الشيخ محمد محمود عيسى

يعد علم “الوقف والابتداء” من أجلّ علوم القرآن الكريم، فهو الفن الذي يبرز جماليات النص القرآني ويحفظ معانيه من التبديل. وكثيراً ما يقع بعض القراء في فخ “الوقف القبيح” أو الوصل غير الصحيح نتيجة عدم الإلمام بالمعنى اللغوي والشرعي، مما قد يؤدي إلى قلب المعنى تماماً أو نسب ما لا يليق للأنبياء والرسل. وفي هذه السطور، نستعرض ثلاث رسائل هامة توضح مواضع الوقف الصحيحة في آيات من سور “البقرة” و”النساء” و”القصص”.

               الرسالة الثانية والعشرون

قال الله تبارك وتعالي : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [سورة البقرة  الآية رقم ٢٧٤ ]

يقرأ القارئ قراءة صحيحة هكذا ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ) ويقف والوقف هنا صحيح والمعني صحيح

ثمّ يبدأ بداية خاطئة جدًا مع إكمال الآية هكذا ( سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وبهذه البداية الخاطئة جعل السر والعلانية متعلقان بما بعدهما فكأنه يحكم عليهم پأن لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون سرا وعلانية وهذا لايجوز ولا يصح في حق الله تبارك وتعالي أن يوصف بالسر والعلانية فإن الله موصوف بالكمال

فالسر والعلانية يخصان ماقبلهما وهو الإنفاق في سبيل الله سرًا وعلانيةً بالليل والنهار ونأتي للقراءة الصحيحة للآية

الصحيح أنه بعد هذا الوقف يبدأ مباشرة بما بعد سرا وعلانية هكذا ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) أو يقرأ  الآية كاملة دون وقف وبهذا يتحقق المعني الصحيح للآية.

                     الرسالة الثالثة والعشرون

قال الله تبارك وتعالي : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) [ سورة النساء الآية رقم ٣٣ ]

يقرأ من أول الآية ويقف وقفا خاطئا يغيّر المقصود من الآية هكذا : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) والخطأ الكبير هو  بعد وقوفه هذا يبدأ بما بعد ذالك هكذا : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أو يبدأ نفس البداية الخاطئة ويكمل الآية حتي نهايتها هكذا : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) بهذه البداية الخاطئة تغيّر معني الآية ومقصودها فالوقف الخاطئ والبداية الخاطئة جعلت الموالي ( الورثة الشرعيين) مع الذين عقدت أيْمانهم في أمر الله بقوله تبارك وتعالي : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ )

واعلموا أيها الأفاضل ويا أيتها الفضليات من المسلمين والمسلمات أن الورثة في الآية أي الموالي لهم حقوقهم من الميراث ومُحدًدة من عند الله تبارك وتعالي أما أمر الله تبارك وتعالي في عبارة: ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) بخص الذين عقدت أيْمانهم سواء كان خاص بحِلْف أو بالمهاجرين الذين كان لهم نصيب من ميراث الذي يموت من الأنصار

ولا يدخل في الأمر الورثة الشرعيين للميت لأنها حق محدد من عند الله تبارك وتعالي

فالقراءة الصحيحة للآية تكون هكذا : ( ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ) ويقف والوقف هنا صحيح  ثم يبدأ بداية صحيحة هكذا : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ). ويقف والوقف صحيح ثم يُكمل الآية أو يَصِل بقية الآية  دون وقف  هكذا ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا )

وبتلك القراءة الصحيحة يتضح المعني الصحيح للآية ومراد الله تبارك وتعالي والله أعلي وأعلم

               الرسالة الرابعة والعشرون

قال الله تبارك وتعالي : ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ سورة القصص الآية رقم ٢٥ ]

يقرأ القارئ قراءة صحيحة من أول الآية ويقف على كلمة استحياء هكذا ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) بمعني أنها جاءت إلي موسي عليه السلام

وكانت خطوات مشيها علي استحياء لأنها ابنة رجل صالح وتربيتها كانت علي حسن الخلق وعلي أسس الاحترام والعفة والحياء وحفظ العرض والنفس

ففي الآية الاستحياء خاص بالمشي عندما جاءت إلي موسي عليه السلام _____________

ثمّ من الخطأ والتنطع في قراءة القرءان الكريم أن يبدأ القارئ قراءته لتكملة الآية من عند عبارة علي استحياء هكذا

 ( عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) هذه البداية تعطي معني مخالفًا للمعني الصحيح للآية لأن القارئ غيُر المعني فجعل الاستحياء خاص بالقول وليس بالمشي وهو مخالف لمراد الله تبارك تعالي رغم صحة القول ولكنه ليس المقصود بالمعني الصحيح للآية

ولكن القراءة الصحيحة للآية إذا قرأ من أول الآية

هكذا ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) ووقف هنا هذا وقف صحيح ويحقق المعني الصحيح للآية ثمّ يبدا قراءته مرة أخري ويكمل الآية حتي نهايتها هكذا ( قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) هذه هي القراءة الصحيحة للآية وتعطي المعني المقصود من الآية

فلا يجوز أبدأ لأي مسلم أن يأتي بمعني من عنده بخالف المعني الصحيح للآية.

قاعدة ذهبية للتدبر

يؤكد الشيخ محمد محمود عيسى أن “دقة فهم آيات الله هي مفتاح التدبر”، محذراً من الفلسفة الزائدة أو “التنطع” في القراءة التي قد تؤدي إلى معانٍ لم يردها الله، داعياً المسلمين إلى تعلم الوقف والابتداء من خلال فهم المعاني التفسيرية الصحيحة.

أردت أن أبين دقة فهم معاني القرءان الكريم ودقة الوقف والابتداء.

وإعلموا أن في تعلّم القرءان وتعليمه كل الخيرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خيركم من تعلّم القرءان وعلُمه )

هُبّوا أيها الفضلاء  المسلمين والفضلبات المسلمات إلي أخذ التعلم لعلوم القرءان كأمرٍ جادٍ تفوزون بأمر الله بالخير في الدنيا والآخرة

والله أعلي وأعلم

الشيخ محمد محمود عيسى 

منشاة سلطان – منوف – المنوفية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى