أزمة المدارس في القدس: الاحتلال يحوّل “نقص الغرف الصفية” إلى سلاح خبيث لأسرلة التعليم

كتبت: عزة السيد
السبت، 31 أكتوبر 2026
أزمة المدارس في القدس
تتفاعل أزمة التعليم الفلسطيني في القدس المحتلة لتتجاوز حدود الاكتظاظ ونقص الأبنية التقليدية، متحولةً إلى أداة ابتزاز سياسي وممنهج تهدف إلى فرض “الأسرلة” على عقول الأجيال الناشئة. هذا ما كشف عنه تقرير حقوقي حديث، استعرضه المركز الفلسطيني للإعلام، مسلطاً الضوء على توظيف الاحتلال للحاجة الملحة لمقاعد دراسية كورقة ضغط لدفع المدارس لتبنّي المنهاج الإسرائيلي.
عجز متراكم وخطط التفافية
يوثّق تقرير جمعية “عير عميم” الحقوقية الإسرائيلية عجزاً كارثياً يُقدَر بـ 2283 غرفة صفية في القدس الشرقية. وفي مفارقة فاضحة، تُخصص نحو نصف ميزانية التعليم ضمن الخطة الحكومية الخمسية لتوسيع تدريس المنهاج الإسرائيلي حصراً، مع اشتراط اعتماده لافتتاح أي مدارس جديدة.
هذه المعطيات تتطابق مع تحذيرات محافظة القدس من استغلال الأزمة لفرض “أسرلة ممنهجة”، عبر ربط تحسين ظروف الدراسة بالتخلي عن المنهاج الفلسطيني، بالتوازي مع التضييق المتعمد على المدارس الأهلية والخاصة والمعلمين القادمين من الضفة الغربية.
يُذكر أن التقرير – المنشور على موقع الجمعية في 26 أكتوبر الجاري استناداً لبيانات انتُزعت بعد التماس قضائي – يؤكد أن الاحتياجات تُحسب بناءً على تقديرات تعود لعام 2017 متجاهلة الزيادة الطبيعية للطلبة. وتُظهر الأرقام أن ما سُلّم خلال السنوات التسع الماضية لم يتجاوز 582 غرفة صفية (بينها 6 غرف فقط خلال العام الدراسي 2025–2026)، في وقت يُتوقع فيه أن يظل العجز قائماً بنحو 1100 غرفة بحلول عام 2032، وسط اعتماد على شقق سكنية وتجارية مستأجرة تفتقر لأبسط مقومات البيئة التعليمية الآمنة والملائمة في أحياء سلوان، ومخيم شعفاط، وجبل المكبر، وصور باهر.
آلاف الأطفال خارج الأرقام الرسمية
كشف التقرير الحقوقي عن خلل هيكلي في متابعة المسارات التعليمية للطلبة المقدسيين؛ إذ يبلغ عدد الملتحقين بالتعليم الرسمي وغير الرسمي المعترف به 109,788 طالبا (35.6% من إجمالي طلبة المدينة البالغ 308,229).
في المقابل، يبلغ عدد الأطفال في سن التعليم الإلزامي غير الملتحقين بهذين الإطارين 33,334 طفلاً، بينما تفتقر بلدية الاحتلال لبيانات دقيقة عن أماكن تعلم أكثر من 11 ألف طفل. وعلى صعيد التسرب المدرسي، تشير التقديرات الرسمية إلى بلوغه ثلاثة آلاف طالب، وسط غياب تام لبيانات محدثة للعام الدراسي الحالي، ما يطمس الحجم الحقيقي للظاهرة.
حرب مفتوحة على المدارس والمعلمين و”الأونروا”
تأتي أزمة الأبنية ضمن حرب شاملة تشنها سلطات الاحتلال على المؤسسات المحافظة على الهوية والمنهاج الفلسطينيين. وتواجه المدارس الخاصة والأهلية (البالغ عددها 71 مدرسة تضم أكثر من 32 ألف طالب) أعباء ضريبية باهظة، وعراقيل في الصيانة والترميم، فضلاً عن منع دخول المعلمين القادمين من الضفة الغربية.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها مع افتتاح العام الدراسي الحالي في الأول من سبتمبر 2026؛ حيث امتنعت عشرات المدارس الخاصة في شرق القدس عن بدء الدوام تضامناً مع المعلمين المحرومين من تصاريح الدخول، مما أثر على نحو 15 ألف طالب. وتضاعفت حدة الأزمة بتداعيات إغلاق مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) الست في القدس في مايو 2025، مما حرم نحو 800 طفل من مقاعدهم، وعجز الوكالة لأول مرة عن افتتاح مدارسها بالمدينة، ضاغطةً بذلك بشكل غير مسبوق على ما تبقى من مساحة للتعليم الفلسطيني المستقل.



