البركة المفقودة.. لماذا نشعر بضيق الوقت وقلة الرزق رغم كثرة السعي؟

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
تعد البركة من أسمى النعم التي يمنّ الله بها على عباده؛ فهي الجندي الخفي الذي إذا حلّ في قليل كثّره، وفي ضيق وسّعه. ومع تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، بات الكثيرون يتساءلون: “لماذا افتقدنا البركة في بيوتنا وأوقاتنا وأرزاقنا؟”، وللإجابة على هذا التساؤل يجب أن نفهم أولاً ماهية البركة وكيف نستجلبها إلى تفاصيل حياتنا اليومية.
مفهوم البركة: نماء حسي ومعنوي
البركة في اللغة هي النماء والزيادة وكثرة الخير ودوامه، وهي لا تقتصر على المال فحسب، بل تمتد لتشمل الأوقات، الأرزاق، وطاقات الإنسان. فإذا حلّت البركة في الوقت اتسع للإنجازات، وإذا حلّت في الرزق كفى الاحتياجات وبارك في الثمرات، أما إذا رُفعت، خرج الإنسان من دنياه بلا أثر يُذكر رغم كثرة كده وسعيه.
أسباب نزع البركة من حياتنا المعاصرة
هناك مؤشرات واضحة تدل على غياب البركة، يلمسها الإنسان في يومه:
-
ضياع الوقت: عندما يمر اليوم أو الأسبوع بسرعة مذهلة دون تحقيق فائدة حقيقية.
-
عدم كفاية الرزق: حين يفقد المال قيمته الشرائية ولا يغطي المتطلبات الأساسية رغم كثرته.
-
نقص القناعة: الطمع و”إشراف النفس” هما النقيض المباشر للبركة، كما جاء في حديث النبي ﷺ لحكيم بن حزام بأن المال الذي يُؤخذ بطمع لا يُبارك فيه.
مفاتيح استعادة البركة في المال والوقت
وضعت الشريعة الإسلامية دستوراً واضحاً لجلب البركة، يرتكز على عدة نقاط جوهرية:
-
التقوى والاستغفار: مصداقاً لقوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”.
-
صلة الرحم وحسن الخلق: فهما “يعمران الديار ويزيدان في الأعمار” ويبسطان في الرزق.
-
تحري الحلال: فالمال الحرام والربا يمحقان البركة تماماً، بينما الصدقة تنميها وتخلفها.
-
الاجتماع على الطعام: التفرّق في الأكل يقلل البركة، بينما الاجتماع عليه وذكر اسم الله يضاعف خيره.
-
البكور: فالنبي ﷺ دعا لأمته بالبركة في بكورها (أول النهار).
البركة كإحساس داخلي وطمأنينة
البركة ليست مجرد أرقام، بل هي “راحة بال” وطمأنينة نفسية. تتجلى في الذرية الصالحة البارّة، وفي الزوجة الصالحة التي تحفظ سرّ زوجها وعرضه، وفي البيت الذي يُعمر بذكر الله وقراءة القرآن؛ حيث تبتعد عنه الشياطين وتحل فيه السكينة والزيادة.



