التطرف الناعم.. كيف تتسلل الأفكار المتشددة عبر المحتوى اليومي؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
لم يعد التطرف في العصر الرقمي يبدأ بخطاب صاخب أو دعوات مباشرة أو شعارات حادة كما كان يُتصور في الماضي، بل أصبح أكثر هدوءًا وذكاءً. إنه يتسلل إلى العقول على مهل، متنكرًا في صورة مقطع فيديو قصير، أو تعليق غاضب، أو منشور يبدو عاديًا، أو قصة تلامس المشاعر قبل أن تخاطب العقل. إنها رحلة تبدأ بخطوة صغيرة، لكنها قد تنتهي بتغيير عميق في طريقة التفكير ورؤية العالم.
هذا هو ما يمكن أن نطلق عليه “التطرف الناعم”؛ ذلك النمط من التأثير الذي لا يفرض أفكاره بالقوة، بل يزرعها تدريجيًا داخل بيئة رقمية يتكرر فيها المحتوى حتى يصبح مألوفًا، ثم مقبولًا، وربما مدافعًا عنه.
*حين يصبح المحتوى بوابة للأفكار
لا يستيقظ أحد في الصباح وقد تغيرت قناعاته بالكامل، فالأفكار لا تتحول بين ليلة وضحاها، وإنما تتشكل عبر التعرض المتكرر لما نقرأه ونشاهده ونتفاعل معه.
قد يبدأ الأمر بمتابعة محتوى يتناول قضية مثيرة للجدل، ثم يظهر محتوى مشابه، يليه محتوى أكثر حدة، ثم أكثر انحيازًا. ومع مرور الوقت، يجد المستخدم نفسه داخل دائرة رقمية لا تعرض عليه إلا وجهة نظر واحدة، بينما تتراجع أمامه الأصوات المختلفة والآراء المتوازنة.
وهكذا، لا يكون الانتقال مفاجئًا، بل تدريجيًا إلى درجة أن صاحبه قد لا يلاحظ أنه أصبح ينظر إلى العالم من زاوية واحدة.
*الخوارزميات… عندما تكافئ الإثارة
تعتمد المنصات الرقمية على أنظمة توصية مصممة لزيادة التفاعل وإبقاء المستخدم أطول وقت ممكن. ولهذا، فإن المحتوى الذي يثير الغضب أو الجدل أو الانفعال غالبًا ما يحظى بانتشار أكبر من المحتوى الهادئ والمتوازن.
ومع استمرار التفاعل، تتعلم المنصة اهتمامات المستخدم، فتقترح عليه المزيد من المحتوى المشابه. وبمرور الوقت، قد يتحول هذا التكرار إلى بيئة مغلقة تعزز قناعاته السابقة، وتقلل من فرص اطلاعه على وجهات نظر مختلفة.
*قوة التكرار… حين يبدو غير المقبول أمرًا عاديًا
من أخطر ما يميز التطرف الناعم أنه لا يعتمد على الإقناع المباشر، بل على التكرار.
فعندما تتكرر الرسائل نفسها، وتتكرر اللغة الإقصائية، وتتكرر الصور النمطية عن فئة معينة، قد يفقد العقل تدريجيًا حساسيته تجاهها، ويبدأ في التعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا.
وهنا تكمن الخطورة؛ فالتكرار لا يغير المعلومات فقط، بل قد يغير طريقة إدراكنا للواقع.
*المشاعر قبل الحقائق
يعتمد المحتوى المتشدد غالبًا على مخاطبة المشاعر أكثر من مخاطبة العقل. فهو يثير الخوف، أو الغضب، أو الإحساس بالظلم، أو الرغبة في الانتقام، لأن المشاعر القوية تدفع إلى التفاعل السريع، بينما يحتاج التفكير النقدي إلى وقت وتأمل.
ولهذا تنتشر المنشورات الانفعالية بسرعة كبيرة، بينما قد يمر المحتوى المتوازن دون أن يحظى بالاهتمام نفسه.
*الشباب بين الفضول والتأثير
يمثل الشباب الفئة الأكثر تعرضًا لهذا النوع من التأثير، ليس لأنهم أكثر قابلية للتطرف، بل لأنهم الأكثر حضورًا على المنصات الرقمية، والأكثر تفاعلًا مع المحتوى المتجدد.
والفضول الطبيعي لاكتشاف الأفكار الجديدة قد يقود أحيانًا إلى التعرض المتكرر لمحتوى أحادي الرؤية، إذا غاب الوعي الإعلامي والقدرة على التحقق والمقارنة وتحليل الرسائل الرقمية.
*الوعي الرقمي… خط الدفاع الأول
مواجهة التطرف الناعم لا تكون بالخوف من التكنولوجيا أو الانسحاب من المنصات، بل ببناء وعي رقمي يجعل المستخدم أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين التحليل والتحريض، وبين الاختلاف المشروع والخطاب الذي يغذي الكراهية أو الإقصاء.
كما أن تنويع مصادر المعلومات، والتحقق من المحتوى قبل مشاركته، والانفتاح على الآراء المختلفة، كلها ممارسات تعزز التفكير النقدي، وتحد من تأثير البيئات الرقمية المغلقة.
معركة تشكيل العقول
*وفي الختام.. لم تعد المعركة الحقيقية تدور فقط حول السيطرة على المعلومات، بل حول تشكيل العقول. فالفكرة التي تتكرر كل يوم قد تصبح أكثر تأثيرًا من الفكرة التي تُفرض بالقوة، والمحتوى الذي يبدو عابرًا قد يترك أثرًا طويل المدى في طريقة التفكير.*
وفي عالم تتنافس فيه المنصات على جذب انتباهنا، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل نستهلك المحتوى بوعي ونفكر فيما نراه، أم نسمح له بأن يعيد تشكيل قناعاتنا خطوة بعد أخرى دون أن نشعر؟
دكتورة هناء خليفة
دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي
