التعليم بين نقص الميزانية والمشاركة المجتمعية

بقلم/ الإعلامي نبيل قشطي
تواجه العملية التعليمية في العديد من المجتمعات تحديات كبرى تؤثر بشكل مباشر في جودتها ومخرجاتها، ويأتي نقص الميزانيات الحكومية المرصودة للتعليم على رأس هذه التحديات، مما يجعل المشاركة المجتمعية خيارًا استراتيجيًا لسد بعض الفجوات وتحقيق قدر من الاستدامة التعليمية بشرط أن تكون مشاركة اختيارية وليست إجبارية، خاصة أن القانون يمنع طلب مساعدات مالية من أولياء الأمور داخل المدارس.
مفهوم خاطئ عن الدور الحقيقي لمجالس الأمناء والآباء
وللأسف الشديد هناك مفهوم خاطئ لدى بعض القيادات التعليمية عن الدور الحقيقي لمجالس الأمناء والآباء، إذ يُنظر إلى المجلس أحيانًا باعتباره المسئول عن جلب الموارد المالية من رجال الأعمال لصيانة المدرسة وتطويرها بل يصل الأمر إلى أن يصبح توقيع المجلس على الميزانية الختامية للمدرسة مجرد إجراء شكلي لاستكمال الأوراق.
والواقع أن مجلس الأمناء والآباء والمعلمين لم يُنشأ ليكون جهة لجمع الأموال وإنما ليكون شريكًا في دعم العملية التعليمية والمساعدة في معالجة المشكلات التي تواجه المدرسة، والمساهمة في تحقيق التواصل بين المدرسة وأولياء الأمور والمجتمع المحيط بها.
ومن المؤسف أن تتحول العلاقة بين بعض إدارات المدارس ومجالس الأمناء إلى علاقة يشوبها التوتر وسوء الفهم، حتى إن رئيس مجلس الأمناء عندما يمر على المدرسة قد يجد من يسأله: «خير؟ هو فيه حاجة علشان كده جاي؟»، وكأن وجود المجلس داخل المدرسة أمر غير طبيعي أو مرتبط بالبحث عن مشكلة.
وفي المقابل يُلام المجلس أحيانًا على عدم القيام بدوره في الوقت الذي لا تُتاح له فيه المعلومات الكافية عن المشكلات التي تواجه المدرسة، أو لا يتم إشراكه بصورة حقيقية في مناقشتها. وتزداد المشكلة عندما يتم إخفاء بعض المشكلات السلوكية والتربوية بدلًا من عرضها بشفافية والعمل على علاجها، فيجد مجلس الأمناء نفسه يبحث عن سبب حقيقي لوجوده داخل المدرسة.
أهمية المشاركة المجتمعية الحقيقية
وهنا تظهر أهمية المشاركة المجتمعية الحقيقية، فهي لا تعني أن يتحول المجتمع إلى بديل عن الدولة في تمويل التعليم وإنما تعني أن يكون هناك تعاون منظم بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بحيث يقدم كل طرف ما يستطيع تقديمه في إطار قانوني واضح وشفاف.
ويؤدي ضعف التمويل الحكومي إلى أزمات متتالية تؤثر في البيئة التعليمية بأكملها، وفي مقدمتها تدهور البنية التحتية، والحاجة المستمرة إلى صيانة المدارس، ونقص بعض المختبرات العلمية والمكتبات والمرافق الأساسية التي يحتاج إليها الطالب حتى يحصل على بيئة تعليمية مناسبة.
ومن هنا يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لاحتياجات كل مدرسة قبل بداية العام الدراسي، بحيث تعرف الجهات المسئولة مسبقًا ما تحتاج إليه كل مدرسة من أعمال صيانة وتجهيزات ومرافق بدلًا من انتظار ظهور المشكلة ثم البحث عن حل لها بعد بدء الدراسة.
وفي هذا السياق يمكن للمشاركة المجتمعية أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم المدارس، خاصة من خلال رجال الأعمال والشركات ومؤسسات المجتمع المدني، ولكن بشرط أن تتم هذه المشاركة وفق ضوابط واضحة تمنع العشوائية وتحافظ على حقوق جميع الأطراف.
ضوابط المشاركة المجتمعية والشفافية المالية
ويجب وضع أطر قانونية وإدارية واضحة لتنظيم التبرعات والمساهمات المجتمعية، بحيث تُسجل التبرعات في سجلات خاصة بإدارة المدرسة، مع معرفة مجلس الأمناء واللجان المختصة بالمجلس بهذه التبرعات والتوقيع عليها، وضمان صرفها في الأوجه المخصصة لها، مع تحقيق أعلى درجات الشفافية في هذا الشأن.
كما يجب أن يكون من حق من يقدم تبرعًا أو مساهمة أن يعرف البنود التي ستُنفق فيها هذه الأموال، حتى يطمئن إلى أن مساهمته ذهبت إلى المكان الصحيح، لأن الشفافية لا تشجع فقط على التبرع وإنما تبني الثقة بين المدرسة والمجتمع.
ومن الممكن كذلك أن تقدم الدولة تسهيلات أو إعفاءات ضريبية لرجال الأعمال والشركات التي تساهم بصورة فعالة في دعم التعليم بما يشجع المزيد من مؤسسات المجتمع على المشاركة مع التأكيد أن هذه المشاركة لا تعفي الدولة بأي حال من الأحوال من مسئوليتها الأساسية عن تمويل التعليم وتوفير احتياجات المدارس.
فلا يمكن أن تكون المشاركة المجتمعية بديلًا كاملًا عن التمويل الحكومي وإنما هي شريك ومكمل أساسي له وسد فجوة نقص الميزانيات يتطلب تكاملًا ذكيًا بين موارد الدولة والمبادرات المجتمعية، بما يساعد على توفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب.
ثقافة “التعليم مسئولية الجميع” ونماذج القدوة
ويجب كذلك نشر ثقافة «التعليم مسئولية الجميع» من خلال وسائل الإعلام المختلفة، ليس بهدف تحميل المواطن مسؤولية ما يجب أن تتحمله الدولة وإنما لتعزيز شعوره بأن المدرسة العامة جزء من مجتمعه، وأن الحفاظ عليها ودعمها مسئولية مشتركة في حدود ما يسمح به القانون.
ومن النماذج التي تستحق التوقف عندها أن يشارك مدير المدرسة بنفسه في تنظيف مدرسته والعمل على ظهورها بصورة آدمية تليق بالطلاب. فبدلًا من أن ننظر إلى ذلك باعتباره أمرًا ينتقص من مكانته لماذا لا نراه نموذجًا تربويًا أمام الطلاب والمعلمين؟
إن الطالب الذي يرى مدير مدرسته يشارك في الحفاظ على نظافة المكان الذي يتعلم فيه يتعلم درسًا عمليًا أهم من كثير من الكلمات؛ وهو أن المكان الذي نتعلم ونعمل فيه يستحق منا أن نحافظ عليه كما يتعلم أن العمل الجماعي لا ينتقص من قيمة الإنسان، وأن كل فرد يستطيع أن يقدم ما يستطيع لخدمة المدرسة.
ومن المؤسف أن يتحول هذا السلوك الإيجابي أحيانًا إلى مادة للتنمر أو الانتقاد بدلًا من أن يكون محل تقدير وتشجيع فإذا كنا نريد بناء قيادات للمستقبل فعلينا أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن المسئولية لا تعني الجلوس خلف المكاتب فقط وإنما تعني المشاركة وتحمل المسئولية والعمل مع الآخرين.
نحو شراكة حقيقية لاستقرار البيئة التعليمية
وفي النهاية، فإن إصلاح العملية التعليمية لا يمكن أن يقوم على زيادة الميزانية وحدها ولا على تحميل المجتمع مسئولية النقص في موارد الدولة وإنما يحتاج إلى شراكة حقيقية ومنظمة بين الدولة والمدرسة والأسرة والمجتمع.
المطلوب هو أن نعيد لمجلس الأمناء دوره الحقيقي كشريك في العملية التعليمية، وأن نضع ضوابط واضحة للمشاركة المجتمعية والتبرعات، وأن نضمن الشفافية في تسجيلها وصرفها، وأن تحدد احتياجات المدارس مسبقًا حتى لا تصبح معالجة المشكلات مرتبطة بالاجتهادات الفردية أو بالمبادرات الطارئة.
إن المدرسة ليست مبنى حكوميًا فقط وليست مسئولية مديرها أو معلميها وحدهم، كما أنها ليست مسئولية المجتمع بدلًا من الدولة إنها مؤسسة وطنية تحتاج إلى دولة تقوم بمسئوليتها، ومجتمع يشارك بوعي، وإدارة تتعامل بشفافية، ومجلس أمناء يمارس دوره الحقيقي.
وعندما تتكامل هذه الأدوار يمكن أن تتحول المشاركة المجتمعية من مجرد محاولة لسد العجز إلى شراكة حقيقية تسهم في بناء مدرسة أفضل، وبيئة تعليمية أكثر استقرارًا، وأجيال قادرة على تحمل مسئولية المستقبل.
الإعلامي نبيل قشطي





