تقارير وتحقيقات
الجلاء… قيم الاستقلال وإرث الأحرار

كلما أطلّت شمس السابع عشر من ابريل، يغمر السوريين دفءٌ خاص، لا يشبه أي يوم آخر إنه يوم الجلاء، يوم السابع عشر من أبريل عام 1946، الذي خرج فيه آخر جندي فرنسي من تراب سوريا، بعد ستٍ وعشرين سنة من الانتداب هو اليوم الذي أصبحت فيه البلاد حرة، والسوري سيداً على أرضه، وارتفعت راية الاستقلال لتخفق خضراء بيضاء وسوداء، تتوسطها ثلاث نجمات حمراء، شاهدة على كرامة وطن لم ينحنِ أمام بندقية ولا استعمار.
من زمن الانتداب إلى ميلاد الحرية
بدأ الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، بعد الحرب العالمية الأولى، حين قسمت القوى الاستعمارية إرث الدولة العثمانية بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فخضعت البلاد لحكم فرنسي مباشر حمل معه محاولات محو الهوية الوطنية، وتقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة لكن الشعب السوري لم يقبل أن يكون تابعًا، فاشتعلت الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب، وامتدت نيرانها لتشمل دمشق وحمص وحماة، لتصبح رمزًا للتلاحم الوطني بين المدن والقبائل.
لم تقتصر المقاومة على السلاح، فقد كانت الأقلام تعادل البنادق، والفكر يوازي النار نشأت الكتلة الوطنية لتقود العمل السياسي وتوحّد الصفوف من أجل الجلاء، وبرزت شخصيات مثل شكري القوتلي، وفارس الخوري، وهاشم الأتاسي الذين جسّدوا روح القيادة والعزيمة في الميادين والبرلمانات.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وتزايد الضغوط الدولية، وافقت فرنسا على الانسحاب وفي صباح الخميس السابع عشر من ابريل لعام 1946، غادر آخر جندي فرنسي أرض سوريا، فانطلقت دمشق كلها تصدح بالنشيد والدموع والفرح لم يكن الجلاء مجرد انسحاب جيشٍ غازٍ، بل ولادة وطنٍ جديد.
الفرح الذي غمر الوطن
في ذلك اليوم، امتلأت شوارع دمشق وحلب وحمص واللاذقية بأهازيج النصر وأعلام الاستقلال كانت النساء تزغرد من الشرفات، والأطفال يركضون خلف مواكب الحرية، والرجال يتبادلون العناق ودموع الفرح قال شكري القوتلي آنذاك مخاطبًا الأمة “ما نلنا استقلالنا إلا بوحدتنا، ولن نصونه إلا بها” كانت كلماته عهدًا على الحرية، يُتلى جيلًا بعد جيل.
من قرى جبل العرب إلى سهول الغاب، ومن حلب القديمة إلى نهر بردى، كان الوطن يحتفل بنفسٍ واحد فكل ذرة تراب منحت دمعة أو قطرة دم، وكل بيت رفع علمًا تذكّر من قدّم حياته لتبقى سوريا حرة أبية.
الجلاء في الذاكرة والاحتفال
واليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، ما زال يوم السابع عشر من ابريل مهرجانًا للوحدة الوطنية تُقام فيه العروض العسكرية في المدن، وتُرفع الأعلام في المدارس والجامعات، وتصدح مكبّرات الإذاعة بأغاني صباح فخري وفهد بلان التي تمجّد الكرامة، ويقرأ الأطفال في حصصهم قصص الأبطال الذين لا تغيب أسماؤهم عن ذاكرة الوطن.
في الساحات، يلتقي الشيوخ الذين عاصروا مرحلة الجلاء بالشباب الذين يحمِلون الحلم نفسه، لتتجدد روح النضال من الماضي إلى الحاضر فكل عامٍ، في هذا اليوم، يثبت السوريون أن حب الوطن ليس ذكرى جامدة، بل فعل حياةٍ دائم.
قيم الاستقلال وإرث الأحرار
يمثل عيد الجلاء قَسَمًا أخلاقيًا للسوريين بأن السيادة أغلى من كل شيء إنه تذكير بأن الحرية لم تكن منحة، بل ثمرة تضحية وصبر وإيمان فقد ورث الشعب السوري من أجداده الإصرار، ومن جباله الصمود، ومن تاريخه المجد لهذا، حتى في أحلك الظروف التي مرّ بها الوطن لاحقًا، ظل حب سوريا يجمع القلوب، وصوتها يصدح عاليًا رغم الجراح.
لقد كان الاستقلال بداية طريقٍ طويلٍ نحو بناء الدولة الحديثة، الدولة التي حملت قيم العدالة والتعليم، والكرامة الوطنية، والانفتاح الثقافي في الفن، في الفكر، في الأدب، وفي التعليم، بقيت ذكرى الجلاء نبراسًا يهتدي به الجميع.
خاتمة: سوريا التي لا تنكسر
في عيد الجلاء، يقف كل سوري وقلبه يهتف: الحرية لا تُشترى، والوطن لا يُباع هو يومٌ تكتبه السماء بالضياء، وترويه الأرض بعرق شهدائها، وتعيشه الأجيال بذاكرة العز.
سلامٌ على أرضٍ إذا مرّتْ بها الريحُ قبّلتْ غارَها وجبالَها،
وسلامٌ على وطنٍ علّمَ الدنيا أن الجلاء لا يُمنح، بل يُنتزعُ بالحبِّ والإباء.





