في ظلال رحلة المعراج الكونية (11) كنوز تراثية حول مفهوم الكون

بقلم / د. سعد كامل
تظل رحلة الإسراء والمعراج نافذة إيمانية وعلمية كبرى تفتح الآفاق أمام العقل البشري لتأمل أبعاد هذا الوجود. وفي المقال الحادي عشر من هذه السلسلة بقلم د. سعد كامل، نبحر عميقاً في التراث الإسلامي لنستكشف كيف تطور مفهوم الكون، وكيف نميز بين الأصول الشرعية الثابتة والتفسيرات العلمية التي ارتبطت بعصور معينة.
كنوز تراثية حول مفهوم الكون:
جاء ضمن المقال الرابع من هذه السلسلة تحت عنوان: “وجهات نظر حول بنية الكون” وصفا موجزا لتطور فهم بنية الكون عند البشر عبر التاريخ اعتبارا من المجالات السماوية وفي مركزها الكرة الأرضية في الفكر الإغريقي، وقد استمر العلماء المسلمين في عصر النهضة الإسلامية في استخدام نماذج المجالات السماوية مع تحفظ بعضهم على تلك النماذج، ومع اختراع التليسكوب وظهور فكرة كوبرينيكوس حول مركزية الشمس للمجموعة الشمسية، بدأ تطور مفهوم الكون المدرك بأبعاده الواسعة وما فيه من 300 ألف مليون مجرة.
وعليه لا يمكن القول أن نماذج المجالات السماوية تعتبر من التراث الإسلامي لوصف بنية السماوات السبع، فالحضارة الإسلامية تناولت تلك النماذج من الحضارة الإغريقية، ثم قامت بتسليمها دون إضافة أو تعديل إلى الحضارة الأوروبية المعاصرة.
كيف نفسر النصوص الشرعية حول وصف مفهوم الكون
من هنا فإن الذي يقرأ ما ورد من نصوص شرعية حول وصف مفهوم الكون وبنيته ومكوناته، يحتاج للتفريق بين أصول تلك النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبين ما أضيف على تلك النصوص من تفسيرات يمكن تقسيمها إلى نوعين من التفسيرات:
1) النوع الأول هو فهم المفسرين لتلك النصوص بناء على ما يستنتج منها وفق قواعد اللغة العربية ووفق التفسير بما تنقله الروايات عن الرسول الكريم وعن علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم.
2) أما النوع الثاني من تلك التفسيرات فهي التفسيرات المبنية على المعلومات الحضارية حول بنية الكون التي كانت سائدة في عصور تلك التفسيرات.
وعليه يتضح أن النوع الأول من تفسيرات النصوص الشرعية المبنية على النقل يعتبر من أهم مراجع فهم مفهوم الكون الصحيح مع إضافة الفهم المعاصر للكون المدرك وأبعاده الهائلة، وهذا ما يعتبره المؤلف الحالي من الكنوز التراثية التي تتضمن رحلة الإسراء والمعراج ومنها أيضا ما يلي:
شواهد من الكنوز التراثية
- جاء في تفسير ابن كثير حول قوله تعالى في سورة المؤمنون ((قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86)): “قال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش، كالقنديل المعلق بين السماء والأرض، وقال بعض السلف:إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة”. فهذه أخبار عن تشبيه السماوات والأرض بالقنديل نسبة إلى العرش، وعن بعض الأبعاد بصورة رمزية تستدعي التحقيق بداية حول صحة هذه الأخبار، ومن ثم توظيف ما يمكن منها في تشكيل التخيل الصحيح عن الكون العظيم.
- أما الحاوي في التفسير فقد ذكر حول قوله تعالى في سورة الصافات ((إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)): “(إنا زينا السماء الدنيا) أي القربى منكم ومن الأرض، وأما بالنسبة إلى العرش فهي البعدى، والدنيا تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب …..، وكون الكواكب زينة للسماء الدنيا لا يقتضي كونها مركوزة في السماء الدنيا، ولا ينافي كون بعضها مركوزة فيما فوقها من السماوات “نظرا لشفافية تلك السماوات.”، فهنا بعض الوصف فيما يخص السماء الدنيا التي هي جزء من السماء الأولى (تبعا لمعلمي، 2011؛ أو هي السماء الأولى عند بعض المفسرين وعلماء الفلك).
رؤية الكاتب
لكن كاتب هذه السطور يميل إلى اعتبار أن السماء الدنيا تساوي نحوا من نصف السماء الأولى، وأنها تساوي ما يطلق عليه علماء الفلك مصطلح “الكون المدرك” وذلك لما ورد في الأحاديث أن هناك مسيرة كذا وكذا بين الأرض وبين السماء الأولى، وبين كل سمائين كذلك، وأن كثف كل سماء مسيرة كذا وكذا، لكن ذلك يحتاج إلى المزيد من التحقيق والتحقق، أما السماء الأولى التي تأتي فوق السماء الدنيا، فهي تمثل بداية البناء السماوي الكبير (تبعا لرؤية عُمَري، 2004) مع اختلاف بسيط في التفاصيل.
د.سعد كامل
أستاذ مشارك في الجيولوجيا
الإسكندرية – مصر
saadkma2005@yahoo.com




