السوشيال ميديا لا تعكس المجتمع… بل تُضخِّم أسوأ ما فيه

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
عندما يتصفح الإنسان مواقع التواصل الاجتماعي لساعات طويلة، قد يخرج بانطباع أن العالم أصبح أكثر غضباً، وأن الناس أكثر عدوانية، وأن الخلافات والصراعات هي الحالة الطبيعية للمجتمع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تعكس السوشيال ميديا الواقع فعلًا، أم أنها تقدم نسخة مشوهة ومبالغًا فيها منه؟
في الحقيقة، لا تعمل المنصات الرقمية كمرآة محايدة للمجتمع كما يعتقد البعض، بل تقوم بتضخيم بعض الظواهر والسلوكيات لأنها أكثر قدرة على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل، فالخوارزميات لا تكافئ المحتوى الهادئ والمتزن بالقدر نفسه الذي تكافئ به المحتوى المثير للغضب أو الجدل أو الصدمة.
*لماذا ينتشر المحتوى السلبي أكثر؟
تشير الخبرة العملية في الإعلام الرقمي إلى أن الإنسان يتفاعل مع المحتوى الذي يثير مشاعره بقوة أكبر من تفاعله مع المحتوى العادي… فالغضب والخوف والاستفزاز تدفع المستخدم إلى التعليق والمشاركة وإعادة النشر بصورة أسرع من الأخبار الإيجابية أو النقاشات المتوازنة.
لذلك نجد أن الخلاف ينتشر أكثر من الاتفاق، والفضائح تجذب الانتباه أكثر من الإنجازات، والأصوات المتطرفة تبدو أعلى من الأصوات المعتدلة.
ليس لأن المجتمع يتكون من هذه الفئات فقط، بل لأن المنصات تمنحها مساحة ظهور أكبر.
*الأقلية الصاخبة والأغلبية الصامتة
من أخطر الأوهام التي تصنعها السوشيال ميديا أنها تجعل أقلية محدودة تبدو وكأنها تمثل الجميع… فعدد قليل من الحسابات النشطة قد يصنع حالة من الجدل تجعل المستخدم يشعر أن المجتمع بأكمله غاضب أو منقسم، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا.
إن ما نراه على الشاشة ليس دائمًا صورة دقيقة للمجتمع، بل صورة مكبرة لأكثر الأصوات قدرة على إثارة الانتباه.
*هل أصبحنا أسرى للانفعال؟
مع التكرار المستمر للمحتوى المثير، يعتاد المستخدم على حالة من التوتر والانفعال الدائم. ويصبح الجدل هو القاعدة، بينما يبدو الحوار الهادئ استثناءً.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، فالتعرض المستمر للمحتوى السلبي قد يدفع الأفراد إلى الاعتقاد بأن الواقع أكثر سوءًا مما هو عليه بالفعل، ما يؤثر على نظرتهم للمجتمع وللآخرين.
السؤال الأهم
وختاماً… السوشيال ميديا ليست مرآة كاملة للمجتمع، بل عدسة مكبرة تركز على ما يثير الانتباه ويحقق التفاعل. ولذلك فإن ما نراه يوميًا لا يعبر بالضرورة عن حقيقة الناس، بل عن المحتوى الذي نجح في جذب الخوارزميات.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل نحن نرى المجتمع كما هو فعلًا؟ أم أننا نرى فقط الجزء الذي قررت المنصات أن تضعه أمام أعيننا؟.




