الصومال

الصومال أمام مفترق طرق

دعوات سياسية لتسوية شاملة وسط تحولات في الدعم العسكري الدولي

كتبت – د.هيام الإبس

في ظل تحولات جوهرية مرتقبة في طبيعة الدعم العسكري الدولي وانحساره، يتصاعد النقاش في الساحة السياسية الصومالية حول جدوى الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية بمعزل عن الإصلاح الهيكلي.

وفي هذا السياق، تكتسب قراءات القيادات السياسية المعارضة لتحذيرات القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” أهمية بالغة، لا سيما مع قرب توقف الدعم اللوجستي الدولي، مما يضع مستقبل الاستقرار في البلاد أمام اختبار حقيقي يعيد صياغة معادلة الأمن والحكم.

 الانتقال السياسي.. ركيزة الأمن الاستراتيجي

في تعليقه على التصريحات الاستراتيجية لقائد القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، اللواء داغفين أندرسون، أكد عضو البرلمان الاتحادي الصومالي وزعيم حزب “وداجير” والمرشح الرئاسي، عبد الرحمن عبد الشكور ورسامي، أن الشرعية السياسية تعد حجر الأساس لاستراتيجية الأمن الحقيقية في الصومال وليست مجرد عنصر ثانوي.

وشدد ورسامي على ضرورة أن يتسم الانتقال القادم في البلاد بطابع سياسي بامتياز بعيداً عن الهيمنة العسكرية.

قراءة في تحذيرات “أفريكوم”

أوضح ورسامي أن تصريحات قائد “أفريكوم” تُمثل تحذيراً استراتيجياً صريحاً يتجاوز التقييمات العسكرية التقليدية.

وتؤكد التجربة بعد نحو عقدين من التدخل العسكري الدولي أن الشركاء الخارجيين يقتصر دورهم على إرساء أمن مؤقت، بينما يبقى بناء الحكم الرشيد والشرعية والاستقرار الدائم رهناً بالإرادة الصومالية الخالصة.

وتكتسب هذه التحذيرات زخماً مضاعفاً في ظل إعلان الولايات المتحدة وقف دعمها اللوجستي لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (أوسوم) بعد عام 2026، وتصاعد التساؤلات الإقليمية والدولية حول الجدوى من تكرار العمليات العسكرية بمعزل عن مسار الإصلاح السياسي الشامل.

حدود القوة العسكرية

رغم الدور المحوري الذي لعبته البعثات الدولية وقوات الأمن المحلية في منع انهيار الدولة، وحماية المؤسسات، وتحرير المدن الحيوية، وإضعاف حركة الشباب، إلا أن العمليات الميدانية بلغت أقصى حدودها الاستراتيجية.

وأشار القيادي الصومالي إلى أن المكاسب الميدانية غالباً ما تبددت بسبب غياب الحوكمة الفعالة والعدالة والتوافق السياسي، لافتاً إلى أن المظلة الأمنية الخارجية ساهمت في أحيان كثيرة في تأجيل الحوارات الوطنية الصعبة المتعلقة بالدستور، والنظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة والثروة.

 من السيادة القانونية إلى السيادة الفعلية

منذ عام 2012، نجحت الصومال في استعادة مكانتها القانونية ودولتها ذات السيادة، غير أن هذا الإنجاز الدبلوماسي لم يكتمل على صعيد الانتقال الدستوري والمؤسسي؛ فالدستور المؤقت لا يزال بحاجة إلى إقرار نهائي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وولاياتها تفتقر إلى تسوية واضحة، بالتوازي مع استمرار نفوذ حركة الشباب في قطاعات واسعة من البلاد.

وأفرز هذا الواقع تناقضاً تمثل في تمتع مقديشو بالاعتراف الدولي مقابل كفاح مستمر لفرض سيادة فعلية وناجزة على الأرض.

نحو مرحلة توطيد الدولة

اختتم ورسامي بالتأكيد على أن الصومال تجاوزت مرحلة “حماية الدولة من الانهيار” التي طبعت العقدين الماضيين، لتدخل مرحلة أشد دقة تتمثل في “تطوير وتوطيد الدولة”. وتتطلب هذه المرحلة المحورية نقل مركز الثقل السياسي والعسكري من جبهات القتال إلى قاعات الحوار الوطني.

وحذر في السياق ذاته من أن استمرار الانقسام والتشرذم السياسي سيقوض أي انخراط دولي مستقبلي، مشدداً على أن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق النخبة السياسية الصومالية لترسيخ الحكم الدستوري، وإعادة بناء التوافق الوطني، وتحييد المؤسسات، لضمان تحويل التضحيات العسكرية إلى استقرار سياسى مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى