الفن والثقافة

القوة الناعمة في أبهى صورها.. الجاز الإفريقي يترجم صدى الشعوب في أبوجا

كتبت – د. هيام الإبس

في زمنٍ تتزايد فيه الفواصل وتتعقد فيه لغة الدبلوماسية التقليدية، أثبتت العاصمة النيجيرية أبوجا أن الموسيقى قادرة على صياغة خطابٍ إنساني يتجاوز الحدود ويفكك التباينات الثقافية؛ حيث تحول مسرح فندق “ترانسكورب هيلتون” إلى منصة للحوار الحضاري، تجسدت فيها القوة الناعمة في أبهى صورها.

تحت شعار “الجاز لغة يفهمها الجميع”، انطلقت فعاليات النسخة الثانية من مهرجان “جاز عبر القارات”، مستقطبة نخبة من الموسيقيين وعشاق الفن في أمسية استثنائية امتزجت فيها كلاسيكيات الجاز العالمية بالنكهات والإيقاعات الإفريقية الأصيلة، لتقدم تجربة فنية أثبتت أن الحدود السياسية وإن باعدت بين الدول، فإنها تقف عاجزة أمام قوة اللحن وجمال الإيقاع.

شهد المهرجان عروضاً فنية متعاقبة نجحت في دمج التراث الموسيقي الإفريقي مع التأثيرات الغربية والأنغام المعاصرة، مُشكّلة لوحة سمفونية أخذت الحضور في رحلة عابرة للقارات دون أن يغادروا مقاعدهم.

الجاز كمساحة للحوار الثقافي والتعبير الإنساني

أكد عازف البيانو ومنظم الفعالية، وارميت دي جاز، أن المهرجان لا يقدم مجرد حفلات موسيقية، بل يطرح مساحة للحوار الثقافي والتعبير الفردي، مشيراً إلى أن الجاز يمتلك قدرة فريدة على توحيد البشر وتجاوز العرق واللغة، إذ يمنح كل فنان فرصة لسرد حكايته عبر النغم.

من جانبها، أعربت الفنانة “إيني” عن فلسفة الحدث بأبعادها الإنسانية، مؤكدة أن:

“الموسيقى تُعد اللغة العالمية الأكثر تأثيراً لكونها لا تحتاج إلى ترجمة، فالإيقاع يخاطب الوجدان ويصل إلى القلب قبل العقل، بغض النظر عن فهم الكلمات.”

من الجذور إلى التجديد المعاصر

يعيد المهرجان التذكير بالمسار التاريخي لفن الجاز؛ فرغم نشأته في الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين، فإن جذوره الضاربة تمتد إلى القارة الإفريقية عبر الإيقاعات والتراث الذي حمله الأفارقة عبر الأطلسي.

ومع عودة هذا الفن إلى موطنه الأصلي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أعاد الموسيقيون الأفارقة صياغته بدمج الآلات المحلية والألحان التراثية، ليولد “الجاز الإفريقي” كنمط يجمع بين الارتجال والهوية الثقافية.

واليوم، يشهد هذا اللون الفني موجة تجديد تقودها كوادر شابة تمزج الجاز بالموسيقى الإلكترونية والهيب هوب والفانك، مما يمنحه بعداً معاصراً ووسع من قاعدة جماهيريته محلياً ودولياً دون المساس بروحه الأصيلة.

نيجيريا ومركزية الصناعات الإبداعية

تأتي هذه الفعالية في إطار جهود نيجيريا لترسيخ مكانتها كمركز محوري للصناعات الإبداعية في إفريقيا، بالاستفادة من الحراك العالمي للموسيقى النيجيرية—ليس فقط عبر إيقاعات “الأفروبيت”، بل وأيضاً من خلال إحياء الأنماط الموسيقية ذات الجذور الإفريقية العميقة.

واختتم المهرجان رسالته بالتأكيد على أن القوة الناعمة قد لا تحتاج إلى خطب أو اتفاقيات رسمية، بل قد تبدأ بعزف منفرد على الساكسفون أو تصفيق جماعي لجمهور أدرك أن الإيقاع قادر على جمع ما تفرقه السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى