الكاتب الصحفي الكبير صالح إبراهيم يكتب :حج مبرور ودروس ونفحات

كيف تجسد الفريضة الأعظم أسمى معاني الطاعة والتآخي؟
يظل أداء فريضة الحج من أهم أمنيات المسلم التي يحلم بتحقيقها، والتواجد في هذه الأيام المباركة بالأراضي المقدسة مع الذين قدموا من كل فج عميق؛ يتقاربون مع بعضهم البعض أثناء المناسك والزيارات، وبعدها يعودون إلى أوطانهم أصدقاء وأحبابًا وقد ولدوا من جديد. الكل يتمنى أن يتقبل الله -سبحانه وتعالى- منه الحجة وأن يجعله حجًا مبرورًا بكل المقاييس. وفي هذا المقال، نعرض مشاعر المسلمين وأبرز الدروس المستفادة من هذه الأيام الطاهرة.
الاستطاعة وأشواق الوجدان في رحاب المشاعر المقدسة
الحج إلى الأراضي المقدسة فرض على كل مسلم بشرط الاستطاعة، وتشمل القدرة المادية والصحية والنفسية، بالإضافة إلى الشوق المترسخ في العقل والقلب والوجدان بسبب النفحات التي يشعر بها المرء عند تواجده في الأراضي المقدسة في نفس الموعد كل عام؛ سواء من خلال الطواف حول الكعبة المشرفة، مهيئًا للدعاء وتصحبه الأمنيات، أو السعي بين الصفا والمروة، وكذلك بالطبع عند الوقوف على صعيد عرفات الطاهر.
الجميع يرتدون الإزار الأبيض الذي يذكرنا بيوم البعث العظيم، ناهيك عن زيارة المدينة المنورة والصلاة في المسجد النبوي الشريف، والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبه أجمعين.
التوبة النصوح والعودة إلى الأوطان بلا ذنوب
الحج هو الركن الخامس من أأركان الإسلام الحنيف، وهو فريضة محببة إلى النفس تستحق التضحية والإعداد السليم؛ لأنها عندما تتحقق يشعر المرء معها بأنه يولد من جديد ويتطهر من الذنوب والآثام. وفي رحاب الأراضي المقدسة يتوب التوبة النصوح، وهي بداية جديدة يشترك فيها الجميع ويسعد بها المؤمنون أصحاب القلوب البيضاء؛ لأن المرء إذا صحت حجته يعود كما ولدته أمه خاليًا من الذنوب، ويستحق أن يهنئه ضيوف الرحمن المرافقون قائلين: (حج مبرور وذنب مغفور)، وهي العبارة التي تتكرر من الأهل والأحباب عند العودة إلى الوطن الغالي.
وما زال الكثيرون يحتفون بالحجاج العائدين؛ سواء بطلاء المساكن باللون الأبيض، أو نقش عبارات ورسومات الترحيب على الجدران، أو إقامة المآدب للفقراء والمساكين، وفي كل الأحوال ينصتون بخشوع إلى تلاوة مباركة من الذكر الحكيم.
دروس وفيوضات إيمانية من رحلة الحج
وإذا تأملنا مراسم الحج وشعائره التي يؤديها الجميع، سواء كانوا عظماء أو فقراء، قادمين من كل فج عميق، تتجدد أمامهم دروس ونفحات تدخل إلى الوجدان وتألف بين هؤلاء السعداء المتواجدين على الأرض المقدسة؛ تختلف أجناسهم وبلدانهم وأعمارهم ولغاتهم لكنهم يجتمعون عند رباط واحد هو الإسلام الحنيف، وهذا هو الدرس الأول الذي يتلقاه ضيوف الرحمن في كل عام جديد.
-
الدرس الثاني (مفهوم الفداء والطاعة): تجسد في انصياع إسماعيل -عليه السلام- لما طلبه منه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام عندما أخبره برؤيا أنه يذبحه، فكانت الإجابة بكل تلقائية: “يا أبت افعل ما تؤمر”. وقبل أن تلمس السكين عنقه فداه الله بكبش عظيم، وصار هذا الفداء تقليدًا بذبح الأضاحي، مما أتاح الفرصة لاستثمار اللحوم وتوزيعها مجانًا على فقراء المسلمين برعاية الحكومة السعودية المشرفة على خدمة الحجيج.
-
الدرس الثالث (السعي والأمل): السعي بين الصفا والمروة أسوة بما فعلته السيدة هاجر في أرض جرداء، تدعو الله بتوفير المياه للابن الرضيع، فكانت المكافأة بئر زمزم التي ما زالت موجودة حتى اليوم يرتوي منها الحجاج تبركًا واستشفاءً.
-
الدرس الرابع (مواجهة الشيطان): رمي الجمرات التي تعتبر رمزًا للتصدي للشيطان إبليس، بعد جمع الحصى من مشعر مزدلفة، وتتم هذه العملية خلال تواجد الحجاج في صعيد منى الطاهر أيام التشريق.
نفحات ربانية في مكة المكرمة وطيبة الطيبة
أما النفحات فهي كثيرة، منها: التآلف والتآخي بين الحجاج بما يحقق التطبيق العملي للحديث الشريف (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص)، ناهيك عن آداب الحج ونهي الحجيج عن اللغو والرفث ليتفرغوا بكل طهارة لمناسبة روحانية يفوز بها السعداء.
وعند زيارة المسجد الحرام والبقاء في المدينة المنورة، تسنح الفرصة لضيوف الرحمن كي يعيشوا نفحات وعطر الهجرة الشريفة إلى يثرب، والغزوات التي شهدها محيط المدينة، وأيضًا مقابر شهدائها في البقيع، ويسترجعون قصص البطولات التي قام بها الصحابة والتابعين. وبالطبع فإن لقاء الحاج مع الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حدث جليل لا يمكن وصفه؛ نحن أمام لحظة صفاء تتجدد ولا تتكرر. وفي النهاية، مع تواجد الحجيج في المشاعر المقدسة أقول للجميع: حج مبرور وذنب مغفور. الرحمن.



