أراء وقراءات

واشنطن تشعل النار … والخليج يدفع الفاتورة

بقلم: عبير الحجار

في الشرق الأوسط المعاصر، لم تعد الحروب تبدأ من حدود الدول المتصارعة، بل من القواعد العسكرية العابرة للحدود. وما إن تضغط واشنطن على زر التصعيد، حتى تتحول أراضٍ عربية -بسرعة البرق- إلى منصات لإطلاق النيران، بينما تنتظر شعوب المنطقة الرد القادم وهي تدرك تماماً أنها ستكون أول من يدفع الثمن من أمنها واستقرارها.

إصرار أمريكي على توسيع دائرة الصراع 

الولايات المتحدة لا تخوض حربها المباشرة أو غير المباشرة مع إيران من أراضيها، بل من شبكة قواعدها المنتشرة في عمق الخليج. ومن هنا تبدأ المعضلة السيادية والأمنية، فعندما تنطلق الطائرات والصواريخ من تلك القواعد، فإنها تجعل دول الخليج -بإرادتها أو بغير إرادتها- جزءاً أصيلاً من ساحة المعركة.

على الجانب الآخر، من الطبيعي وفق المنطق العسكري أن ترى إيران أن أي قاعدة عسكرية تُستخدم في مهاجمتها تصبح هدفاً مشروعاً للرد العسكري. فهي لا تنظر إلى مسمى الدولة التي تستضيف القاعدة بقدر ما تنظر إلى “الدور الميداني” للعمليات الانطلاقية منها. وهكذا، تتسع دائرة الشرر، وتنتقل المواجهة من صراع بين قوتين إلى تهديد مباشر لمستقبل أمن الخليج.

معادلة السيادة واستقلال القرار

لكن السؤال المحوري الذي يتردد في أذهان الملايين اليوم: لماذا لا تمنع دول الخليج استخدام أراضيها ومجالها الجوي في هذه الحرب؟

الإجابة تكمن في اختلال ميزان القوة المعقد. إن طبيعة الاتفاقيات العسكرية والأمنية التاريخية التي تربط بعض دول الخليج بالولايات المتحدة تجعل هامش القرار المستقل بالرفض المباشر حرجاً ومحفوفاً بالتعقيدات السياسية والاستراتيجية. وبين الالتزامات الأمنية وضغوط التحالفات، تجد هذه الدول نفسها أمام خيارات معقدة، بينما يظل المواطن الخليجي والمقيم على هذه الأرض هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

المشهد يبدو قساوةً واستفزازاً: قرار إطلاق النار يُتخذ في واشنطن، والرد الصاروخي ينزل على أرض الخليج، والخوف يسكن بيوت الأبرياء. إنها معادلة مجحفة تضع المنطقة بأسرها رهينة لصراع لا يخدم أمنها القومي ولا استقرارها الاقتصادي.

لماذا تصر ايران على استهداف دول الخليج كرد على الاعتداءات الأمريكية

قد يتساءل البعض عن منطق هذا التصعيد الإيراني: لماذا تفضل طهران توجيه ردودها وصواريخها باتجاه المحيط الخليجي، وتستهدف السفن في مضيق هرمز بدلاً من ضرب القواعد أو الأهداف داخل الولايات المتحدة نفسها؟

تكمن الإجابة في حسابات الردع غير المتكافئ وتجنب المواجهة الشاملة:

  1. القدرة العسكرية والتفوق الجغرافي: لا تمتلك إيران أدوات لوجستية أو صواريخ استراتيجية عابرة للقارات تمكنها من ضرب العمق الأمريكي مباشرة دون الدخول في حرب إبادة شاملة تعجز عن حسمها. في المقابل، تُشكل القواعد الأمريكية والسفن التجارية في الخليج أهدافاً قريبة ومتاحة جغرافياً وضمن مرمى ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة.

  2. ضغط الورقة الاقتصادية والسياسية: تدرك طهران أن مساس أمن الطاقة في الخليج وتهديد حركة الملاحة الدولية يرفع أسعار النفط عالمياً، مما يفرض ضغطاً سياسياً واقتصادياً سريعاً على واشنطن وحلفائها الغربيين، ويجبرهم على إعادة التفكير في كلفة التصعيد.

  3. استراتيجية نقل المعركة وتشتيت التكلفة: من خلال استهداف القواعد العسكرية والاستثمارات الحيوية في دول الجوار، تسعى طهران لدفع دول المنطقة للضغط على واشنطن للجم تحركاتها. إنها تريد أن تقول لحلفاء واشنطن: “إذا أتاكم الخطر من القواعد الأمريكية المقامة على أرضكم، فإن تكلفة الحماية ستكون أغلى بكثير من غيابها”.

وهكذا، تُبقِي إيران حساباتها ضمن نطاق “إدارة الصراع الإقليمي” لتجنب رد حاسم يستهدف كيان نظامها الداخلي، بينما تحول أراضي الخليج ومياهه الإقليمية إلى ميدان رئيسي لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل النارية مع واشنطن.

السلام لا يُصنع بمدفعية الآخرين

إن تحويل أراضي الدول المستقرة إلى منصات لحروب الآخرين لا يفرض سلاماً، بل يوسع دائرة النار ليطال الجميع. وإذا استمرت القوى العظمى في إدارة صراعاتها الدولية بهذه الطريقة الأنبوذية، فلن يكون هناك منتصر حقيقي، بل شعوب بأكملها تُسدد الفاتورة من أمنها، واقتصادها، ومستقبل أبنائها.

لقد آن الأوان لأن يكون أمن الشرق الأوسط قراراً تصنعه شعوبه ودوله من الداخل، لا ساحة تُدار فيها حروب النفوذ من الخارج. إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ والتجييش، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تحمي السيادة الوطنية، وتجعل قرار الحرب والسلم نابعاً بامتياز من العواصم العربية، لا مفروضاً عليها من وراء البحار. ولكي يتم ذلك لابد من بناء منظومة دفاع قوية ذاتية تعتمد على المقدرات العربية وهي كبيرة سواء كانت مادية أو بشرية.

عبير الحجار كاتبة صحفية وإعلامية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى