أراء وقراءات

الهوية الرقمية الموازية.. هل أصبح لكل منا شخصيتان؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم يعد الإنسان في العصر الرقمي يعيش بهوية واحدة؛ فهناك “أنا” نعيشها في الواقع، و”أنا” أخرى نصنعها أمام الشاشات. قد تكون قريبة منا، وقد تكون أكثر مثالية، وأكثر جرأة، وأكثر نجاحًا مما نحن عليه في حياتنا اليومية.

المشكلة لا تبدأ عندما نختلف قليلًا على الإنترنت، فهذا طبيعي. وإنما تبدأ عندما تتحول الشخصية الرقمية إلى نسخة يجب أن نحافظ عليها حتى لو لم تعد تشبهنا.

*من نكون.. ومن نريد أن يرانا الآخرون؟

المنصات الرقمية منحتنا قدرة غير مسبوقة على التحكم في الصورة التي نقدمها للآخرين. نختار الصورة، والكلمات، واللحظة، ونقرر ما يظهر وما يختفي.

نحن لا نعرض حياتنا كاملة، بل نعرض منها ما نريد أن يراه الآخرون. ومع الوقت، قد تتحول هذه الصورة المنتقاة إلى هوية موازية: شخصية أكثر نجاحًا، أكثر سعادة، أكثر حضورًا، وربما أكثر ثقة من صاحبها الحقيقي.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا: هل نحن نستخدم المنصات للتعبير عن أنفسنا، أم نعيد تشكيل أنفسنا حتى تناسب ما تحبه المنصات؟

*عندما تصبح الإعجابات جزءًا من الهوية

الأرقام الصغيرة التي تظهر أسفل المنشورات ليست مجرد أرقام بالنسبة إلى بعض المستخدمين؛ فقد تتحول تدريجيًا إلى مؤشرات على القبول والقيمة والتأثير.

▪️عدد المتابعين يقول: “أنت مشهور“.

▪️عدد الإعجابات يقول: “أنت محبوب“.

▪️عدد المشاركات يقول: “أنت مؤثر“.

وبذلك تدخل الأرقام في تشكيل الصورة التي نكونها عن أنفسنا. والأخطر أن الإنسان قد يبدأ في تعديل سلوكه لا وفق ما يحب، وإنما وفق ما يحقق له مزيدًا من التفاعل.

*عندما تبدأ الشخصية الرقمية في صناعة صاحبها

في البداية نحن من نصنع هويتنا الرقمية، لكن مع الوقت قد يحدث العكس؛ تصبح الهوية التي صنعناها قادرة على التأثير فينا.

من اعتاد أن يظهر قويًا قد يخشى الاعتراف بضعفه، ومن اعتاد أن يعرض حياة مثالية قد يشعر بالخجل من لحظات الفشل. ومن بنى صورته على النجاح قد يصبح أسيرًا للحفاظ عليها.

وهنا يتحول ما بدأ كاختيار بسيط للصورة إلى ضغط مستمر للحفاظ عليها.

*جيل لا يكتشف ذاته فقط.. بل يعرضها أيضًا

الأمر أكثر حساسية لدى المراهقين والشباب؛ لأن بناء الهوية لديهم يحدث في مرحلة يبحثون فيها أصلًا عن إجابات حول: من أنا؟ ماذا أريد؟ وكيف يراني الآخرون؟

لكن البيئة الرقمية تضيف سؤالًا جديدًا: هل ما أفعله يعبر عني فعلًا، أم أنه سيحصل على إعجاب الآخرين؟

وهنا قد يصبح القبول الرقمي جزءًا من عملية تشكيل الذات، بدلًا من أن يكون مجرد وسيلة للتواصل.

*ليست المشكلة أن نملك هوية رقمية

الهوية الرقمية ليست شرًا في حد ذاتها، بل أصبحت جزءًا طبيعيًا من حياتنا. المشكلة في المسافة التي قد تنشأ بين الإنسان وصورته الرقمية. أن يصبح الشخص مضطرًا إلى تمثيل شخصية لا تشبهه، أن يعيش من أجل الصورة بدلًا من أن يستخدم الصورة للتعبير عن حياته.

التحدي الحقيقي

وختاماً… ربما لم يعد التحدي الحقيقي في امتلاك هوية رقمية، وإنما في ألا نفقد هويتنا الحقيقية ونحن نبنيها.

فالمنصات تستطيع أن تمنحنا جمهورًا واسعًا، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا من نكون، ويمكننا أن نختار الصورة التي يراها الآخرون، لكن علينا أن نحتفظ بصورة أخرى أكثر أهمية؛ الصورة التي نعرفها عن أنفسنا عندما تنطفئ الشاشة، ولا يبقى أمامنا سوى حقيقتنا.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى