أراء وقراءات

حياتنا اليومية بين العصبية والعدوانية: كيف تدفع التربية والضغوط مجتمعاتنا نحو العنف؟

بقلم/ الإعلامي نبيل قشطي

نصادف في حياتنا اليومية العديد من الشخصيات شديدة الانفعال، مما يطرح التساؤل دائماً: هل نتعامل مع شخص عصبوي بطبعه أم مع سلوك عدواني قد يمتد إلى إلحاق الأذى بنا؟ إن التمييز بين العصبية والعدوانية بات ضرورة ملحة؛ فالعصبية لا تعني بالضرورة العدوانية والعكس صحيح. وفي ظل تتالي الضغوط الاقتصادية والمجتمعية التي لا تفرق بين غني وفقير، أصبحت مجتمعاتنا تتجه بشكل ملحوظ نحو العنف، لا سيما العنف اللفظي، ليكون الأطفال هم الضحية الأولى لهذا الشحن المستمر.

الفارق بين العصبية والعدوانية وتأثير البيئة

تقييم الإنسان مشاعرياً وسلوكياً لا ينفصل عن ظروفه الحياتية والعامة. يختلف البشر فيما بينهم بناءً على النمط الثقافي والمجتمعي الذي يمثل جزءاً أصيلاً من سلوكياتهم، فضلاً عن وجود بعض الاضطرابات والأمراض النفسية التي تجعل الفرد أكثر اندفاعاً وعصبية. ومع تزايد أعباء الحياة، تحول رد الفعل العصبوي إلى نمط يومي يمارس في المنازل والمدارس والشوارع.

الأطفال.. الضحية الأولى للصراخ والانفعال

يُعد الأطفال الأكثر تضرراً من سلوكيات العصبية والتشنج اللفظي؛ فهم في مواجهة يومية مع الضجيج والصراخ. إن نجوا من عصبية الوالدين في البيت، صادفوا عصبية المعلمين في المدارس وغضب المارة في الشوارع. وتؤكد الدراسات التربوية والنفسية أن الطفل يولد دون سلوكيات مكتسبة، وتتشكل شخصيته بنسبة كبيرة من أساليب التعامل معه خلال طفولته المبكرة. ومن هنا تنبع أهمية ضبط النفس والحد من الصراخ أمامه لضمان استقراره النفسي.

أزمة القدوة وغياب الأمان داخل الأسرة

الصراخ المتكرر أمام الأطفال في مراحل نموهم النفسي والعاطفي يجعلهم عرضة للتأثر بفيض المؤثرات الخارجية ويكتسبون ردود الأفعال الحادة سريعاً. وكما يُقال: “نشكو أطفالنا والعيب فينا”. لذا يكمن الحل في اتفاق واضح بين الزوجين على منع الصراخ بوجه الأبناء، وتوفير بيئة تفيض بالأمان والدفء الأسرية، حتى وإن تطلب الأمر جهداً ومكابدة للسيطرة على المشاعر السلبية.

تراجع ثقافة الود وغياب قيم التراحم

نتيجة لتراكم السلوكيات الخاطئة، أصبح المجتمع يعاني من طغيان العصبية وتراجع مساحات الهدوء، حتى بات حسن الظن والتعامل العفوي أمراً نادراً. لم نعد نسمع كلمات الشكر والتعبير عن الامتنان، وأصبح تقديم الخدمة دون مقابل يُثير الشكوك والمخاوف لدى الآخرين. هذا المناخ الجاف هو ثمرة مباشرة لأساليب تربوية خاطئة زرعناها في أبنائنا ونحصد نتائجها اليوم.

تجارب العالم وفجوة التوجيه في مدارسنا

في الوقت الذي تُدرّس فيه دولة مثل اليابان مادة “الطريق إلى الأخلاق” من الصف الأول وحتى السادس الابتدائي لترسيخ قيم التعامل الإنساني، نجد معظم مدارسنا تكتفي عند وقوع مشكلات بين التلاميذ باستدعاء أولياء الأمور، دون البحث الجاد في الأسباب النفسية والسلوكية للعمق التراكمي للمشكلة. وفي المقابل، استوعبت مجتمعات أخرى أعمق القيم الأخلاقية، بينما انساق جزء من شبابنا خلف السلوكيات السلبية عبر الإنترنت دون توجيه أسر بنيوي.

خاتمة

اتقوا الله في أولادكم وحافظوا عليهم؛ فالأبناء هم البذرة الحقيقية التي نغرسها اليوم لنحصد بها غداً مجتمعاً أكثر أماناً وإشراقاً، والبداية تبدأ دائماً من داخل البيوت بالهدوء، والاستيعاب، والتربية القائمة على الرحمة.

الإعلامي نبيل قشطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى