الرياضة

الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (5)  القوة الناعمة التي ترتدي قميص منتخب

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في كاس العالم 2022 في قطر، وبعد إطلاق صافرة نهاية إحدى مباريات المنتخب المغربي التي حملت انتصاراً تاريخياً، التقطت مئات الكاميرات العالمية مشهداً لم يكن مألوفاً في الملاعب؛ تسلق لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي المدرجات، يتخطى الحواجز الأمنية، ليطبع قبلة عميقة على جبين والدته المحجبة، قبل أن يخلع قميصه ويهديه لها وفي مشهد أخر، كان الاعب سفيان بوفال يراقص والدته على العشب الأخضر وسط هتافات عشرات الآلاف.

في تلك الساعات، لم تتصدر التحليلات التكتيكية كبريات الصحف العالمية، بل تصدرت تلك الصور الاستثنائية التي يحفها دفء العائلة حيث نقلت تلك المشاهد العفوية للعالم بأسره رسالة ثقافية واجتماعية عن مركزية “الأم” والأسرة في الثقافة العربية والأفريقية، رسالة بلغت من العمق والتأثير ما لم تستطع آلاف الندوات والمؤتمرات الثقافية إيصاله على مدار عقود.

لم يكن هؤلاء اللاعبون مجرد رياضيين يمثلون بلدانهم، بل كانوا في تلك اللحظة أقوى سفراء دبلوماسيين لثقافتهم، يمارسون أعتى درجات “القوة الناعمة”، وهم يرتدون قمصان منتخباتهم الوطنية.

من الدبابات إلى المدرجات: إعادة تعريف النفوذ

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، صاغ عالم السياسة الأمريكي “جوزيف ناي” مصطلح “القوة الناعمة” (Soft Power)، معرّفاً إياها بأنها “القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع”.

في الماضي، كانت الدول تقيس هيبتها ومكانتها الدولية بعدد دباباتها، ورؤوسها النووية، وحجم أساطيلها البحرية، أما اليوم في عالم شديد الاتصال والتشابك، أصبحت “الجاذبية الثقافية” و”الصورة الذهنية” أسلحة لا تقل أهمية عن الترسانات العسكرية.

في هذا السياق، تتربع كرة القدم على عرش أدوات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين.

فقميص المنتخب الوطني لم يعد مجرد قطعة من القماش المصمم لامتصاص العرق، بل أصبح “علامة تجارية سيادية” (Nation Branding) وجواز سفر دبلوماسي يخترق الحدود بلا تأشيرة فعندما يتابع مئات الملايين حول العالم فريقاً يلعب بأسلوب ممتع، يتحلى بالروح الرياضية، ويظهر التزاماً بالقيم الإنسانية، فإنهم لا إرادياً يبدأون في تكوين مشاعر إيجابية تجاه الدولة التي يمثلها هذا الفريق، وتجاه شعبها وتاريخها.

مونديال الـ 48.. منصة عالمية لكسر التهميش

في أروقة الأمم المتحدة، قد تُمنح دولة صغيرة نامية بضع دقائق لإلقاء خطاب أمام قاعة نصف فارغة، ولن يحظى خطابها بتغطية إعلامية تُذكر لكن عندما يتأهل منتخب هذه الدولة ذاتها إلى بطولة كأس العالم، فإنها تحصل فجأة على 270 دقيقة من الانتباه المطلق من قبل مئات الملايين من البشر.

من هنا، تبرز القيمة السوسيولوجية والسياسية العميقة لقرار توسيع كأس العالم ليضم 48 منتخباً.

هذا التوسع يمثل تجربة غير مسبوقة لمنصة القوة الناعمة الأكبر في العالم.

فمع منح مقاعد إضافية لدول من آسيا وأفريقيا وأمريكا الوسطى، يعني منح هذه الدول فرصة تاريخية للوقوف تحت دائرة الضوء العالمية، لتقول للبشرية: “نحن هنا، لنا علم، ولنا نشيد وطني، ولنا هوية نستحق أن تُحترم”.

بالنسبة لدول عانت من ويلات الحروب، أو من التهميش الاقتصادي، أو من الصورة النمطية السلبية في الإعلام الغربي الموجه، يُعد المونديال فرصة لإعادة كتابة السردية الوطنية حين يعزف النشيد الوطني لدولة جديدة تشارك لأول مرة، وتقف الكاميرات لتنقل دموع لاعبيها وجماهيرها فخراً، تتغير خوارزميات البحث في محركات الإنترنت (جوجل) حول العالم؛ حيث يبدأ ملايين الأشخاص في البحث عن موقع هذه الدولة، وتاريخها، وثقافتها.

هذا هو الجوهر النقي للقوة الناعمة: إجبار العالم على التعرف عليك من خلال نافذة الفرح والإعجاب.

تصدير القيم وهدم القوالب النمطية

إن ما يمنح كرة القدم قوتها الناعمة ليس فقط المهارة في تسجيل الأهداف، بل السلوكيات الثقافية والأخلاقية التي تُصدّر عبر الشاشات.

لقد أصبحت البطولات الكبرى مختبراً عالمياً مفتوحاً تتفاعل فيه القيم الإنسانية، وتتحطم فيه القوالب النمطية.

عندما يقوم لاعبو منتخب آسيوي كاليابان على سبيل المثال بالانحناء احتراماً لخصومهم وللجماهير بعد خسارة قاسية، ثم يقومون بتنظيف غرفة الملابس بالكامل وترك رسالة شكر مكتوبة بلغة البلد المضيف، فإنهم لا يقدمون درساً في الرقي الرياضي فحسب، بل يصدرون للعالم ثقافة الانضباط، والمسؤولية المجتمعية، واحترام المكان، وهي قيم تترسخ في أذهان المتابعين كمرادف لاسم “اليابان”.

وبالمثل، عندما تتحدى دول أفريقية وشرق أوسطية نظرة التعالي العالمية، وتقدم منتخبات منظمة، تلعب كرة قدم حديثة وتناطح القوى التقليدية، فإنها تهدم في تسعين دقيقة عقوداً من التنميط الإعلامي الذي طالما صوّر هذه المناطق كمجرد بؤر للصراع، أو الفقر، أو التخلف.

كرة القدم تعيد “أنسنة” الشعوب في عيون بعضها البعض، وتثبت أن الجدارة لا ترتبط بعرق أو قارة.

الدبلوماسية الرياضية واستعادة الثقة بالنفس

لا يقتصر تأثير القوة الناعمة الكروية على الصورة “الخارجية” للدولة، بل يمتد ليلعب دوراً سيكولوجياً حاسماً في الداخل، من خلال ما يُعرف بـ “بناء الثقة الوطنية” ففي الدول الناشئة أو تلك التي تمر بمراحل انتقالية صعبة، يمكن لنجاح المنتخب الوطني أن يرمم الكرامة الوطنية المجروحة، ويخلق حالة من الالتفاف حول رمز وطني غير مختلف عليه.

قصة منتخب “كرواتيا” تقدم نموذجاً مذهلاً في هذا الإطار دولة صغيرة لا يتجاوز تعداد سكانها أربعة ملايين نسمة، وُلدت من رحم حرب استقلال قاسية في البلقان خلال التسعينيات، استطاعت بفضل قميصها ذي المربعات الحمراء والبيضاء وإنجازاتها المونديالية المتتالية، أن تحفر اسمها كدولة تمتلك شخصية فولاذية وروحاً لا تستسلم.

لقد أصبح المنتخب الكرواتي هو أهم أداة دبلوماسية وتعريفية لهذه الدولة الحديثة، وأصبح اللاعبون هم الآباء المؤسسون الجدد لـ “كرواتيا القوية” في المخيلة العالمية.

سفراء بملابس رياضية

في النهاية، يمكن للسياسيين أن يوقعوا مئات المعاهدات، ويمكن للحكومات أن تنفق مليارات الدولارات في حملات العلاقات العامة لتحسين صورتها، لكن سرعان ما تُنسى هذه الجهود في زحمة الأحداث.

أما الصورة التي يرسمها لاعب يمسح دموع طفل في المدرجات، أو فريق يقاتل بشرف حتى الرمق الأخير رغم تواضع إمكانياته، فهي صور تُحفر في الذاكرة الجمعية للبشرية، وتتحول إلى إرث ناعم لا يمكن محوه.

ففي مونديال 2026، ومع اصطفاف 48 منتخباً جنباً إلى جنب، نحن لن نشاهد مجرد منافسة بين فرق رياضية، بل شاهدنا أكبر “مؤتمر للدبلوماسية الناعمة” في التاريخ.

شاهدنا 48 سفيراً يرتدون السراويل القصيرة والأحذية ذات المسامير، يركضون ليس فقط لتسجيل الأهداف، بل لتقديم أوراق اعتماد بلدانهم في قلوب الملايين إنهم يذكروننا بأن أعظم قوة يمكن لدولة أن تمتلكها، ليست تلك التي تخيف بها الآخرين، بل تلك التي تجعلهم يبتسمون، ويصفقون، ويقعون في حبها من النظرة الأولى.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:

الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى