الرياضة

الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (7) كرة القدم وصناعة الهوية الوطنية

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في ربيع عام 1958، وفي ذروة الكفاح المسلح، شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثاً رياضياً وسياسياً زلزل الأوساط العالمية؛ فقد اختفى فجأةً أكثرُ من تسعةٍ من أبرز اللاعبين الجزائريين المحترفين في الدوري الفرنسي، من بينهم نجوم كانوا على وشك تمثيل منتخب فرنسا في كأس العالم بالسويد.

من أبرزهم:

  • رشيد مخلوفي
  • مصطفى زيتوني
  • عبد الحميد كرمالي
  • محمد معوش

وقد ضحّى بعضهم بمسيرته الاحترافية من أجل دعم قضية استقلال الجزائر

فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري

لكن بعد أيام قليلة، ظهر هؤلاء اللاعبون في تونس، ليعلنوا عن تأسيس “فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري”.

لم تكن الجزائر حينها تمتلك دولة مستقلة، ولا مقعداً في الأمم المتحدة، ولا حدوداً سياسية معترفاً بها دولياً، لكنها امتلكت منتخباً لكرة القدم.

جاب هذا الفريق العالم، حاملاً علماً لم يكن معترفاً به، وعازفاً نشيداً وطنياً جديدا لهم، ليلعب أكثر من 90 مباراة.

لقد أثبتت تلك الحادثة التاريخية العميقة حقيقة سوسيولوجية خالدة: يمكن لكرة القدم أن تسبق السياسة في إعلان ميلاد الأوطان، وأن المستطيل الأخضر قادر على احتضان الهوية الوطنية حين تضيق بها الخرائط.

العلم والنشيد.. تجسيد المألوف والمجرد

في حياتنا اليومية، تُعد “الهوية الوطنية” مفهوماً مجرداً ومعقداً؛ فهي مزيج من التاريخ، والقوانين، والدستور، والحدود الجغرافية هذه المفاهيم، على أهميتها، نادراً ما تثير عواطف دافقة أو استجابات فيزيولوجية يومية لدى المواطن العادي لكن كرة القدم تمتلك القدرة السحرية على تحويل هذا “المجرد” إلى كيان “ملموس” ينبض بالحياة.

تخيل تلك اللحظة المهيبة التي تسبق صافرة انطلاق مباراة في كأس العالم؛ يقف أحد عشر لاعباً في خط مستقيم، تتشابك أذرعهم، وتتجه أنظارهم نحو علم بلادهم المرفرف، بينما تعزف موسيقى النشيد الوطني.

في تلك الدقائق القليلة، يتوقف الزمن، وتتوحد أنفاس الملايين خلف الشاشات وفي المدرجات.

في هذا المشهد لا يكون النشيد الوطني مجرد تلك المقطوعة الموسيقية التي تُعزف في الطوابير الصباحية للمدارس أو في الاستقبالات الدبلوماسية الرسمية، بل يتحول رنينه وهمساته إلى حالة وطنية جماعية، تجعل من المستطيل الأخضر امتداداً جغرافياً للوطن، واللاعبون يتحولون إلى جنود يدافعون عن كبرياء الأمة، ليس بالبنادق، بل بالجهد والعرق والروح القتالية.

211 اتحاداً كروياً.. الاعتراف قبل السياسة

ليس من قبيل الصدفة أن يضم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) 211 اتحاداً وطنياً، وهو رقم يتجاوز عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة البالغ عددهم 193 دولة هذا الفارق الرقمي يخبرنا بقصة أعمق بكثير من مجرد التوسع الرياضي؛ إنه يخبرنا أن كرة القدم هي المنصة الأولى التي تبحث فيها الشعوب عن “الاعتراف بوجودها”.

هناك أقاليم وكيانات وجمهوريات حديثة الاستقلال وجدت في انضمامها للفيفا شهادة ميلادها الحقيقية أمام العالم وإن خوض مباراة دولية، ورؤية اسم البلد على لوحة النتائج العالمية، يمنح الشعوب الناشئة شرعية سيكولوجية هائلة ومع قرار توسيع بطولة كأس العالم لتشمل 48 منتخباً، نحن لا نشهد تغييراً في لوائح مسابقة، بل نشهد توسيعاً متعمداً لمظلة الهوية العالمية.

هذا القرار يمنح دولاً طالما ظلت في الظل فرصة نادرة للصعود إلى خشبة المسرح العالمي، ليقولوا للمليارات من البشر: “نحن نمتلك تاريخاً، ولدينا أجيال شابة طموحة، ونحن جزء لا يتجزأ من هذه البشرية”.

فسيفساء الداخل وتذويب الفوارق المجتمعية

غالباً ما تعاني الدول الحديثة من تصدعات داخلية، سواء كانت طبقية، أو عرقية، أو دينية، أو سياسية حيث تعمل هذه التصدعات على تفتيت الشعور بالهوية الوطنية المشتركة وهنا، يبرز دور المنتخب الوطني لكرة القدم كأكبر “بوتقة صهر” اجتماعية في العصر الحديث.

عندما ينزل المنتخب الوطني إلى أرض الملعب، تتلاشى كل الهويات الفرعية ليطغى لون القميص الموحد ففي مدرجات الملعب وفي ساحات الاحتفال، يقف رجل الأعمال الثري كتفاً بكتف مع العامل البسيط، ويتعانق أبناء الطوائف والعرقيات المختلفة فرحاً بتسجيل هدف حتى ولو كان مباغت، حتى لاعبي المنتخب أنفسهم، الذين يأتون غالباً من خلفيات اجتماعية وجغرافية متباينة، بل ومن أحياء فقيرة ومهمشة، يتحولون إلى رموز وطنية عليا يُجمع عليها كل أطياف الشعب.

كرة القدم تخلق حالة من “المساواة الوجدانية” النادرة؛ حيث يمتلك الجميع الحق في الانتماء، والحق في الفرح، والحق في تمثيل هذا الكيان الكبير الذي نسميه “الوطن”.

أبناء الشتات والوطن الافتراضي المحمول

في عصر تزايدت فيه موجات الهجرة واللجوء والنزوح القسري، فقدت الملايين من البشر ارتباطها المادي والجغرافي بأوطانها الأصلية وبالنسبة لهؤلاء المغتربين وأبناء الشتات، لم يعد الوطن أرضاً يمشون عليها، بل أصبح فكرة يسكنون فيها.  في هذا السياق المعقد، يلعب المنتخب الوطني لكرة القدم دور “حبل السرة” الذي يربطهم بجذورهم.

ففي مقاهي المهجر في أوروبا وأمريكا، يتجمع المهاجرون من الجيلين الثاني والثالث، ممن ربما لا يجيدون لغة بلدانهم الأصلية بطلاقة، مرتدين قمصان منتخبات آبائهم وأجدادهم فتشجيع المنتخب الوطني يصبح بالنسبة لهم إعلاناً صريحاً عن التمسك بهويتهم الأم في وجه رياح التغريب وإن انتصار فريقهم في بطولة بحجم كأس العالم لا يعني مجرد إضافة نقاط في جدول الترتيب، بل هو انتصار لهويتهم، ورسالة فخر تعيد ربطهم بذاكرة الأجداد.

لقد جعلت كرة القدم الأوطان قابلة للحمل في حقائب السفر، تتجسد في شكل كرة وقميص وشعار.

إعادة كتابة السردية الوطنية

لا تكتفي كرة القدم بعكس الهوية الوطنية القائمة فحسب، بل تساهم بشكل مباشر في “صناعتها” وإعادة صياغتها فعندما يحقق منتخب وطني إنجازاً تاريخياً، فإنه يكتب فصلاً جديداً في الذاكرة الجمعية للأمة.

تُطلق أسماء اللاعبين على الشوارع والمدارس، وتُخلد تواريخ المباريات كأعياد وطنية غير رسمية، وتصبح قصص الكفاح داخل الملعب جزءاً من المناهج غير المكتوبة التي يتناقلها الآباء للأبناء لغرس قيم الصمود والإصرار والتفوق.

الدول التي عانت من هزائم سياسية أو اقتصادية كبرى، تجد في انتصاراتها الكروية فرصة لترميم كرامتها المجروحة واستعادة ثقتها بنفسها.

إنها السردية التي تؤكد للمواطن المحبط أن أمته لا تزال قادرة على الإنجاز، وقادرة على مقارعة الكبار، وقادرة على لفت أنظار العالم حتى ولو كان في عالم كرة القدم.

خريطة لا تعترف بالتضاريس

الوطن في أعمق تجلياته ليس مجرد مساحة جغرافية مسيجة بالحدود، ولا مجرد نصوص دستورية محفوظة في الأرشيفات.

الوطن هو مساحة من المشاعر المشتركة، هو ذلك النبض المتسارع الذي يوحد الملايين في ثانية واحدة، وهو الدمعة التي تفر من عين مواطن مشجع حين يرتفع علمه عالياً أمام أنظار الكون.

كرة القدم لا تخترع الهوية، لكنها توقظها من سباتها، وتنفض عنها غبار الانقسامات اليومية.

إنها تمنحنا الفرصة لنجتمع تحت سقف واحد، متناسين اختلافاتنا العميقة، لنمارس أصدق تعبير عن انتمائنا فحين تدحرجت الكرة في كأس العالم، وسط مشاركة 48 منتخباً يمثلون حضارات وأعراقاً وثقافات لا حصر لها، فلم نكون وقتها مجرد متفرجين على منافسة رياضية، بل كنا شهوداً على أعظم ورشة إنسانية مستمرة لصناعة الهويات، حيث تحول العشب الأخضر إلى خريطة، والقميص إلى وطن ينبض في صدور المليارات.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:

الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ

 

بقلم أيقونة الاتزان

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى