بعد استقالة كير ستارمر.. لماذا أصبحت بريطانيا تعيش عهد الحكومات القصيرة؟
كتب – محمد السيد راشد
فتحت الأنباء المتواترة عن استقالة رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” الباب أمام سابع رئيس وزراء بريطاني خلال 10 أعوام فقط، في ظاهرة سياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث. وبينما تتحدث وسائل الإعلام المحلية في لندن عن تشكيلة الحكومة المقبلة بقيادة آندي بيرنهام، يتساءل الشارع البريطاني والعالم: لماذا تعيش المملكة المتحدة عهد الحكومات القصيرة؟ وما الذي يقود قادتها من عتبة المنزل رقم 10 إلى مقصلة الرحيل السريع؟
خمسة قادة لقصة واحدة.. العقد الفريد في تاريخ لندن
تيريزا ماي، بوريس جونسون، ليز تراس، ريشي سوناك، وصولاً إلى كير ستارمر.. أسماء مختلفة لقصة واحدة تروى في بريطانيا؛ زعيم يقف أمام مقر الحكومة واعداً باستعادة الثقة، وفي غضون أعوام -أو حتى أيام- يجد نفسه خارج السلطة، إما بقرار من الناخبين أو على يد نواب حزبه.
مفارقة تاريخية: عرفت بريطانيا موجات مماثلة من استهلاك رؤساء الوزراء في القرنين الـ18 والـ19، لكن الموجة الحالية “فريدة” لأن استبدال الزعيم يرافقه زلزال في هرم السلطة؛ إذ استهلكت البلاد 8 وزراء مالية و9 وزراء خارجية في عقد واحد. فضلاً عن أن سقوط ستارمر (زعيم حزب العمال) يمثل أول مشاركة للحزب “الأحمر” في عصور الحكومات القصيرة منذ تأسيسه عام 1900، بعدما كانت اللعبة تاريخياً حكراً على المحافظين والأحرار.
التسلسل الزمني لـ “مقصلة” رؤساء وزراء بريطانيا (2016 – 2026)
لم تكن استقالة ديفيد كاميرون عام 2016 سوى أحجار الدومينو الأولى التي تساقطت بعدها الرؤوس السياسية في لندن:
| رئيس الوزراء | سبب الرحيل المباشر | السياق السياسي |
| ديفيد كاميرون (2016) | الاستقالة بعد فشل استفتاء البقاء في الاتحاد الأوروبي. | صدمة “بريكست” الكبرى وتغير مسار بريطانيا. |
| تيريزا ماي (2019) | العجز عن تمرير اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي في البرلمان. | الانقسام الحزبي الداخلي الحاد. |
| بوريس جونسون (2022) | فضائح سياسية متتالية (مثل “بارتي غيت”) وضغوط من نواب حزبه. | أزمة الثقة العامة بعد جائحة كورونا. |
| ليز تراس (2022) | خطة اقتصادية كارثية وخفض عشوائي للضرائب هز الأسواق (استقالت بعد 45 يوماً). | أقصر حكومة في تاريخ بريطانيا الحديث. |
| ريشي سوناك (2024) | هزيمة ساحقة للمحافظين في الانتخابات العامة بعد 14 عاماً في الحكم. | تصويت عقابي من الشارع بسبب التدهور الاقتصادي. |
| كير ستارمر (2026) | الاستقالة بعد مقاومة طويلة للانضمام لقائمة “الحكومات القصيرة”. | الوعود الكبيرة التي اصطدمت ببيروقراطية معقدة وركود اقتصادي. |
الجذور العميقة للأزمة: لماذا يفشل الجميع في إدارة البلاد؟
تتجاوز الأزمة مجرد أسماء الزعماء أو أخطائهم المباشرة، لتكشف عن تحديات هيكلية واقتصادية خانقة طحنت الجميع:
-
الصدمات المتراكمة المتلاحقة: من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلى زلزال “بريكست” الذي عزل بريطانيا عن سوقها الأوروبي الحيوية، مروراً بجائحة كورونا والحروب الإقليمية المتلاحقة التي أنهكت عصب الدولة.
-
انفجار الدين العام: قفز الدين العام البريطاني من 34% إلى نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عقدين فقط، مما قلص قدرة أي حكومة على المناورة المالية أو تمويل المشاريع الضخمة.
-
الضغط الديموغرافي وشيخوخة السكان: زيادة معدلات شيخوخة المجتمع فرضت ضغوطاً هائلة ومستمرة على موازنة الدولة والخدمات الصحية الوطنية (NHS).
-
فجوة الوعود والواقع: تصطدم الوعود الانتخابية البراقة للزعماء الجدد ببيروقراطية معقدة للغاية واقتصاد متباطئ ومقيد، مما يعجل بسقوط شعبية القادة ورحيلهم قبل إنجاز ما وعدوا به.
تنتظر لندن اليوم فصلاً جديداً بقيادة آندي بيرنهام، لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقاً على عتبة “داونينج ستريت”: هل يملك الزعيم القادم مفاتيح الحل لأزمة هيكلية أطاحت بستة من أسلافه؟ أم أن المقصلة السياسية بانتظار ضحية جديدة؟



