صراع النفوذ في القرن الأفريقي.. كيف تُعيد مقديشو رسم خارطة التحالفات العابرة للقارات؟

تقرير تكتبه – د. هيام الإبس
تنساب مياه باب المندب وتتلاطم أمواج المحيط الهندي على شواطئ القرن الأفريقي لتشكل الجغرافيا السياسية الأهم في المنطقة. غير أن ما تشهده العاصمة الصومالية مقديشو لا يعبّر عن مجرد استجابة لأزمات أمنية طارئة، بل يُمثّل تدشيناً لاستراتيجية جديدة تُعيد من خلالها الدولة الصومالية تموضُعَها الدفاعي والدبلوماسي على الخارطة الدولية.
بين ضغوط الحرب الممتدة ضد “حركة الشباب” الإرهابية، والمخاوف المتصاعدة من التجاذبات الإقليمية والتحركات الانفصالية في إقليم “أرض الصومال”، باتت مقديشو تتحرك وفق مبدأ “التنوع الاستراتيجي النشط”، كاسرةً صيغة الاعتماد التقليدي على طرف بعينه في بناء قدراتها العسكرية.
1. كسر الاحتكار الدفاعي: فلسفة “تنويع الشركاء”
على مدى العقود الماضية، عانى مسار إعادة بناء الجيش الوطني الصومالي من ارتهانه لبرامج دعم محدودة النطاق وحدود بعثات حفظ السلام الأفريقية (أتميس/أوصمم). إلا أن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول عميق في العقيدة الاستراتيجية لدى صناع القرار:
-
تجاوز المعادلة التقليدية: لم تعد مقديشو تكتفي بالشراكات الاستشارية الغربية أو الوجود التابع للاتحاد الأفريقي، بل اتجهت لبناء شراكات عسكرية ثنائية متقدمة قادرة على تقديم نقلة نوعية في التسليح والتدريب.
-
الانتقال من الدفاع إلى بناء الردع: يهدف التمدد الصومالي نحو العواصم الدفاعية الكبرى إلى امتلاك ردع سيادي يمنع أي محاولات لتغيير الأمر الواقع في شواطئها الممتدة على مسافة تتجاوز 3 آلاف كيلومتر.
2. محور إسلام آباد وتركيا ومصر: تحالف الأبعاد الثلاثية
يظهر التحرك الصومالي الأخير نحو إسلام آباد — والذي تضمن زيارات رسمية لمقر القوات الجوية والبحرية الباكستانية ومؤسسات التصنيع الدفاعي مثل (GIDS) — كجزء من لوحة شطرنج أكبر تُنسّق فيها مقديشو علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية ذات ثقل أمني وعسكري ملموس:
-
الخبرة الباكستانية (الردع الجوي والملاحة): تقدم إسلام آباد حلولاً عملية ذات تكلفة مرنة وكفاءة عالية في مجالات مكافحة الإرهاب، وبناء القوات الخاصة، وتأهيل القوات الجوية والبحرية، ما يمنح الجيش الصومالي القدرة على فرض السيطرة على أجواء ومياه البلاد.
-
البُعد التركي (الغطاء البحري والتسليح): تُعد الشراكة الصومالية-التركية عماداً رئيسياً في حماية المياه الإقليمية وتطوير القدرات الدفاعية الميدانية، فضلاً عن الدور الأكاديمي والعملياتي لقاعدة “تركصوم” في مقديشو.
-
البُعد المصري (التوازن الإقليمي والاستراتيجي): ينعكس التعاون الصومالي المصري المتنامي على التوازنات في حوض النيل والقرن الأفريقي، مُشكّلاً حائط صد أمام المبادرات المفردة التي قد تؤثر على وحدة الأراضي الصومالية.
3. أرض الصومال والبحر الأحمر: شرارة التدافع الجديد
لا يمكن قراءة الهندسة الدفاعية الجديدة لمقديشو بمعزل عن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في البحر الأحمر وخليج عدن. إذ جاءت التطورات المتعلقة بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي وتصاعد التنافس الدولي في الممرات المائية الحيوية لتسرّع من خطوات الحكومة الفيدرالية نحو:
-
تأمين الشريط الساحلي: حماية الحدود البحرية ومنع توظيف الإقليم الانفصالي كمنصة لمشاريع عسكرية أو موانئ خارج أطر الشرعية الدولية.
-
إحباط سيناريوهات التقسيم: الاستفادة من اعتراف المجتمع الدولي بشرعية العاصمة مقديشو لتوقيع اتفاقيات أمنية رسمية تُلقي بظلالها على أي تحركات تسعى لفرض أمر واقع انفصالي.
4. ما بعد البعثة الأفريقية: رهان “الاعتماد على الذات”
يواجه الصومال جدولاً زمنياً حرجاً مع اقتراب خروج قوات الدعم الأفريقية؛ ما يضع الجيش الوطني في اختبار حقيقي لاستلام المهام الأمنية كاملة. وتلبي الشراكة مع دولة بحجم باكستان ومؤسساتها العسكرية احتياجاً صومالياً ملحاً يشمل:
-
إعادة بناء العقيدة القتالية: تحويل الجيش الصومالي من قوات مشاة تكتيكية إلى جيش نظامي متكامل (بري، بحري، وجوي).
-
الاستقلالية الاستخباراتية: نقل خبرات مكافحة الإرهاب الشاملة لتفكيك شبكات “حركة الشباب” في المناطق الريفية والنائية.
-
توفير بنية استدامة: الاعتماد على التصنيع العسكري والدعم الفني لمنع حدوث أي فراغ أمني عند انسحاب القوات الدولية.
خلاصة التقرير:
يُثبت التحرك الصومالي المتسارع نحو إسلام آباد وشبكة حلفائه الجدد أن مقديشو لم تعد تكتفي بردة الفعل، بل أضحت لاعباً يسعى لامتلاك أدوات القوة الصلبة. وفي ظل تداخل خطوط التجارة العالمية في البحر الأحمر مع التنافس على نفوذ القرن الأفريقي، فإن نجاح مقديشو في إدارة هذه التحالفات المتعددة قد يُعيد التوازن للمنطقة بأسرها، ويضع الصومال على طريق استعادة سيادته كاملة براً وبحراً وجواً.




