السودان

بين ضغوط واشنطن ومعارك كردفان: السيادة والهدنة وميدان السودان أمام اختبار حاسم

كتبت – د. هيام الإبس

 

في وقت يشتد فيه طوق الضغوط الدبلوماسية والعسكرية على السودان، اختار رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، الرد على الأزمة الدبلوماسية الأخيرة مع واشنطن—والتي تجسدت في تعثر منح التأشيرة لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة وربطها بمقترح هدنة لـ 90 يوماً—بتأكيد قاطع من داخل الخرطوم على رفض “الوصاية أو الإملاءات الخارجية”، مشدداً على أن معركة الشرعية والسيادة باتت معركة ميدانية وسياسية متكاملة.

وترسم المقاربات الميدانية والدبلوماسية في المشهد السوداني ملامح معقدة تتداخل فيها السياسة بالبندقية:

تصادم الرؤى حول الهدنة: بين تصور أمريكي-أُممي يهدف لدفع الأطراف فوراً لوقف القتال ودعم الحوار، وتصور قيادة الجيش التي تربط أي تسوية بإنهاء وجود قوات الدعم السريع في المناطق الخاضعة لسيطرتها، محذرة من تحول الهدن المؤقتة لمكاسب إمداد وتثبيت نقاط نفوذ للخاطفين.

تحولات خريطة كردفان: يمثل إعلان الجيش السيطرة على مدينة “سودري” أواخر سبتمبر نقطة مفصلية تُضيق الخناق على قوات الدعم السريع بشمال كردفان، وتحول خطوط المواجهة والصراع على الطرق الحيوية والممرات المؤدية نحو دارفور، لتتحول المعركة من السيطرة على المراكز الحضرية إلى سباق للتحكم في خطوط الإمداد الاستراتيجية.

حرب المسيّرات والعمق الاقتصادي: أخذت المواجهات منحى أكثر خطورة بتبادل هجمات المسيّرات بعيدة المدى، والتي طالت مواقع حيوية مثل منشآت الوقود ومستودعات “أم عليلة” بشرق الجزيرة ومدينة الأبيض، مما يهدد بتدمير الشرايين الاقتصادية والخدمية المؤثرة مباشرة على حياة المدنيين.

أزمات الخدمات وواقع المؤسسات: يعكس الخروج القسري لمرفق مثل مستشفى سودري عن الخدمة المعاناة الموازية للسيطرة الميدانية؛ إذ تُلقي الحرب بظلالها الثقيلة على البنية التحتية، ليصبح الاستقرار المدني وإعادة تشغيل الخدمات التحدي الأكبر عقب كل تقدم عسكري.

دبلوماسية المسار التدريجي: في ظل رفض الطرفين المباشر للجلوس سوياً، يقود المبعوث الأممي بيكا هافيستو اتصالات عبر “الدبلوماسية المكوكية” للبدء بملفات صغيرة لبناء الثقة، كملف تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين، في محاولة لخلق نافذة سلام واقعية وسط تعنت الميدان.

وفي محصلة هذا المشهد، تظل الحرب في السودان سباقاً محدوماً بين قناعة الأطراف بأن كلمة الفصل لا تزال للميدان، وبين مساعٍ دولية وإقليمية حثيثة تبحث عن ثغرة إنسانية لوقف نزيف الدماء وإعادة بناء عملية سياسية تحفظ سيادة البلاد واستقرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى