أراء وقراءات

بين فخ “المنصات التجارية” وبوصلة “النماذج الرسمية”.. من يعيد تشكيل وعي طلاب الثانوية العامة؟

بقلم: حسن السعدني

   مع إسدال الستار على امتحان اللغة العربية لشهادة الثانوية العامة، تبدأ موجة القلق في الانحسار، ليفسح المجال لصوت أكثر هدوءًا وموضوعية؛ صوت التحليل لا الانفعال، والفهم لا الاتهام.

   وكما يتكرر كل عام، تتصاعد شكاوى تتعامل مع الامتحان وكأنه “خصم”، لا أداة قياس عادلة، متجاهلة حقيقة بدهية: الامتحان الجيد هو الذي يميز بين مستويات الطلاب، وينحاز لمن فهم، لا لمن حفظ.

امتحان متوازن.. وقواعد لعبة جديدة

   إن القراءة المتأنية لورقة هذا العام تكشف بوضوح أنها جاءت متزنة، منضبطة، ولم تخرج عن الإطار المعلن من وزارة التربية والتعليم.

بل إن كثيرًا من أسئلتها استند مباشرة إلى النماذج الاسترشادية الرسمية (خاصة الثاني والخامس والسابع)، مع استلهام واضح لروح امتحانات الأعوام السابقة.

الرسالة كانت صريحة، لكنها صادمة لمن ركنوا إلى الحفظ: من ذاكر بوعي، نجح بثقة.

     إننا أمام منظومة تقييم جديدة تعتمد على:

– الفهم العميق للمحتوى.

– القدرة على التحليل والاستنباط.

– تذوق اللغة ودلالاتها.

وهنا يظهر الفارق بوضوح: طالبٌ يفكّر فيرى في الامتحان فرصة، وطالبٌ يُلقّن فيراه أزمة.

أزمة وعي.. لا أزمة امتحانات

     الحقيقة الأهم هي أن الأزمة ليست في الامتحان ذاته، بل في طريقة الاستعداد له وثقافة مجتمعية تراكمت عبر سنوات.

نحن أمام حالة ارتباك تجسدت في الاعتماد المفرط على المنصات التجارية وثقافة التوقعات؛ حيث يُختزل التعليم في “ملخصات سحرية” مقابل تجاهل شبه تام للمصادر الرسمية التي تمثل الخريطة الحقيقية للامتحان.

والأخطر أن بعض الأسر، وتحت وطأة القلق البالغ والخوف على مستقبل أبنائها، وقعت في فخ المعادلة السهلة: “ندفع لنطمئن”، لتتحول العملية التعليمية تدريجيًا من بناء وعي إلى ما يشبه الصفقة الاستهلاكية.

النتيجة الحتمية: طالبٌ ينتظر السؤال المتوقع بنصّه، فإذا تغيّرت الصياغة — مع ثبات الفكرة العلمية — ارتبك وتعثر.

ضغوط تُضاعف الارتباك

     ولا يتوقف الأمر عند حدود الارتباك المعرفي، بل تتضاعف الصعوبة بفعل عوامل بيئية ونفسية ضاغطة تعيشها اللجان، ومنها:

–  طاقة التوتر السلبية المتبادلة بين الطلاب  

    داخل اللجان.

–   صرامة بعض المراقبين التي قد تتحول أحياناً من أداة لضبط النظام إلى مصدر إضافي للقلق.

–   قسوة الطقس وارتفاع درجات الحرارة.

كل هذه التفاصيل تشكل عبئاً حقيقياً كفيلاً بتشتيت تركيز الطالب، وتحويل الخوف الطبيعي إلى عائق يمنعه من حسن التصرف مع جودة الأسئلة.

المدرسة.. الغائب الذي يجب أن يعود

     من المؤسف أن تتراجع مكانة المدرسة في وعي المجتمع، رغم أنها المؤسسة التربوية الوحيدة القادرة على بناء طالب متكامل.

المعلم داخل الفصل لا يقدم معلومة مجردة فقط، بل يصنع طريقة تفكير، ويؤسس لعلاقة صحية مع المعرفة؛ أما الاعتماد الكلي على الدروس الخصوصية والمنصات التجارية العشوائية، فقد حوّل التعلم إلى “وجبات سريعة” تفتقر إلى العمق والاستمرارية.

توجه يستحق التقدير

    وفي خضم هذا المشهد، لا يمكن إغفال الجهد الكبير المبذول من القائمين على وضع الإطار التقييمي لمادة اللغة العربية، والذين نجحوا في تقديم نموذج امتحاني يعكس توجهًا حديثًا يعيد الاعتبار للفهم والمهارة، ويضع الطالب المجتهد في مكانه الصحيح. إن هذا التوجه المؤسسي يستحق الدعم والتقدير، لأنه يسهم في تصحيح المسار وبناء نظام تقييم أكثر عدلاً وموضوعية.

خارطة إنقاذ عاجلة

    إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إعادة ترتيب أولوياتنا كأسر ومجتمع عبر خطوات جادة:

–   العودة الجادة: إلى النماذج والمنصات الرسمية للوزارة كمرجعية أولى وأخيرة.

–   استعادة الدور: الحقيقي للمدرسة وتفعيل الحضور والتفاعل داخل الفصول.

–   تنمية المهارة: التركيز على القراءة الواعية والتحليل كبديل نهائي للتلقين وبث الرعب.

–    المتابعة الذكية: دعم الأسر لأبنائها نفسياً ومعنوياً، وتهيئة مناخ هادئ يستوعب ضغوط اللجان بعيداً عن دوامة الاستنزاف المادي.

رسالة أخيرة

لن ينقذ أبناءنا وهم “التوقعات”، ولن يصنع مستقبلهم كيانات تضخم القلق وتستنزف الجيوب.

ما يصنع الفارق حقًا هو: عقل واعٍ، تدريب حقيقي، وثقة في الطريق الصحيح. فلنمنح أبناءنا فرصة أن يكونوا مفكرين لا مجرد حافظين، وصنّاع مستقبل لا عابرين في قاعة امتحان.

الخبير التربوي حسن السعدني 

 

زر الذهاب إلى الأعلى