الخبير التربوي حسن السعدني يضع الحل : كيف تُنهي الدولة فوضى “سوق التعليم الموازي”؟

لم تكن ورقة امتحان اللغة العربية للثانوية العامة مجرد اختبار أكاديمي عابر، بل تحولت إلى “مؤشر كاشف” لصراع متصاعد واشتعال غير مسبوق داخل ما يُعرف بـ “سوق التعليم الموازي”. وفي قراءة تحليلية عميقة للمشهد، يسلط الخبير التربوي حسن السعدني الضوء على الحرب المستعرة بين جيلين في هذا السوق: مراكز الدروس الخصوصية التقليدية (السناتر) التي تعتمد على الحشد الجماهيري، والمنصات التعليمية الرقمية التجارية، حيث يتنافس الطرفان على جذب الطلاب عبر وعود “التوقعات المرئية” والمراجعات الحاسمة، في مشهد يغلب عليه الطابع التسويقي الاستثماري أكثر من كونه تعليماً حقيقياً.
حرب تكسير العظام: كيف تحول قلق الثانوية إلى “ذهب رقمي”؟
أكد حسن السعدني أن منظومة التعليم الموازي تحولت إلى اقتصاد ضخم يتخطى حجم الإنفاق السنوي عليه عشرات المليارات من الجنيهات، مستغلاً قلق الطلاب وأولياء الأمور كأداة للربح السريع. وقد بات لكل طرف في هذه الحرب أدواته المتطورة:
-
السناتر التقليدية: تعتمد على الحضور الجماهيري الضخم الذي يشبه حفلات الموسيقى، والتركيز على التأثير النفسي المباشر، ورفع شعارات رنانة مثل “ليلة الامتحان وضمان الدرجة النهائية”.
-
المنصات الرقمية: توظف التكنولوجيا والتسويق الإلكتروني الذكي، وتقدم محتوى سريعاً ومكثفاً مدفوعاً مقدماً عبر (بطاقات شحن مسبقة الدفع)، مستغلة عامل ضيق الوقت وقرب الامتحان لإجبار الطالب على الاشتراك.
ورغم اختلاف الوسائل بين قاعة السنتر وشاشة الآيباد، يشترك الطرفان في هدف واحد: تحقيق أعلى عوائد مالية وأكبر انتشار ممكن على حساب الضغط العصبي للأسرة المصرية.

المواجهة الحقيقية: كيف نسحب البساط من “أباطرة التوقعات”؟
يرى التربوي حسن سعد أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية أو الإجراءات الرقابية وغلق المقرات فقط؛ فالطلب ما زال مرتفعاً. ويتطلب الحل رؤية شاملة من الدولة تعالج جذور المشكلة وتعيد بناء الثقة في التعليم الرسمي عبر أربعة محاور رئيسة:
1. تطوير فلسفة التقييم والأسئلة
الاعتماد الحقيقي على أسئلة تقيس الفهم، التحليل، والربط (وليس الحفظ والتلقين) هو الضربة القاضية لـ “سوق التوقعات”. فعندما يوقن الطالب أن الامتحان يعتمد على المهارة لا على “ملازم ليلة الامتحان”، سيفقد منطق الدروس التجارية جدواه.
2. تعزيز البدائل الرقمية الرسمية
الدولة تمتلك منصات وقنوات تعليمية (مثل مدرستنا وغيرها)، لكن التحدي يكمن في تحويلها إلى بديل تفاعلي جاذب، عبر الاستعانة بالمعلمين الأكثر جماهيرية وقبولاً لدى الطلاب، وتقديم المحتوى بأسلوب معاصر ينافس المنصات الخاصة وبشكل مجاني تماماً.
3. تنظيم السوق وتقنينه
إحكام الرقابة على الكيانات غير المرخصة، والأهم هو مراجعة أساليب الإعلان والدعاية على منصات التواصل الاجتماعي التي تبالغ في إثارة الذعر بين العائلات، بما يضمن بيئة تعليمية أكثر انضباطاً وعدالة.
4. إعادة الروح والجاذبية للمدرسة
توسيع نطاق “مجموعات الدعم المدرسية” وتجهيزها بشكل لائق بأسعار مناسبة، مع منح المعلم مكافأته بشكل فوري ومجزٍ، مما يعيد للمدرسة مكانتها كمصدر أساسي للتعلم لا مجرد محطة شكلية لتسجيل الغياب والحضور.
خلاصة القول
يختتم الخبير التربوي روشتة العلاج بقوله : القضية اليوم لم تعد تتعلق فقط بتكاليف مادية مرهقة تتحملها الأسر المصرية، بل بثقافة تعليمية خطيرة تتشكل لدى الجيل الجديد ترسم النجاح عبر “توقعات” مدفوعة الأجر. الرهان الآن هو بناء منظومة تعليمية قائمة على المهارة، مدعومة ببدائل رسمية قوية، ووعي مجتمعي يدرك أن التعليم استثمار طويل الأمد في الإنسان وليس سلعة تباع وتشترى.
شاركونا آراءكم في التعليقات:
-
هل ترون أن منصات الدولة التعليمية البديلة قادرة بالفعل على منافسة “سوبر ماركت” التعليم الخاص والسناتر؟
-
وما هي تجربتكم مع مراجعات هذا العام؟ هل صدقت “التوقعات” أم كانت مجرد فخ تجاري؟