أراء وقراءات

بين مصارعة الأخطار والكوابيس السياسية: سيكولوجية الانجذاب إلى الصدام والظلام المكبوت

بقلم / مدحت مرسي

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن هناك أناس يفضلون مصارعة قط بري على الغناء والرقص، بصرف النظر عن قدراتهم أو مواهبهم الغنائية. لكن هذا التساؤل يقودنا مباشرة إلى عمق سيكولوجية معقدة تحكم سلوك بعض البشر في مواجهة الحياة. انتبه جيداً، فلا تراودك الكوابيس إلا إذا كنت تنجذب إليها خفية! فما حكاية هذا الانجذاب الخفي؟ وكيف يترجم في تفاصيل حالنا مع الأحداث الجارية والبحث الدائم عن الأدرينالين والسيطرة؟

الصراع بين دوافع المواجهة والتحدي مقابل التعبير عن الذات

إن الصراع الحقيقي يكمن في كثير من الأحيان بين دوافع المواجهة والتحدي من جهة، مقابل دوافع التعبير عن الذات والتواصل العاطفي من جهة أخرى. أيها الأحبة الكرام، هناك بعض الشخصيات التي تجد قيمتها وشعورها بالوجود من خلال تجاوز الأخطار وتفريغ طاقة الغضب أو القلق في «معركة حقيقية» وواضحة المعالم، بدلاً من التفريغ الوجداني الهادئ. فالمعركة البدنية ذات نتائج واضحة لا تحتمل التأويل، إما النصر أو الهزيمة، بينما يحمل الفن طابعاً انطباعياً وجمالياً يستلزم انغماساً نفسياً قد يراه البعض معقداً أو غير مجدٍ مقارنة بتحدٍ ملموس. من هنا، فإن المجتمعات التي تعيش ظروفاً ضاغطة أو قاسية تميل بطبيعتها إلى تنشئة أفراد يفضلون أدوات المواجهة والصدام، وتصبح الفنون بالنسبة لهم رفاهية غريبة أو سلوكاً لا يتناسب مع واقعهم اليومي المليء بـ «القطاط البرية».

الدبلوماسية الناعمة مقابل معارك الضغوط 

ولا يقف الأمر عند حدود السلوك الفردي، بل يمتد إلى الواقع السياسي؛ حيث تفضل بعض القوى أو التيارات دخول معارك وضغوطات مباشرة وشديدة الخطورة على الانخراط في «الدبلوماسية الناعمة» أو مسارات التغيير الثقافي والفكري الذي يمثله الغناء والرقص بمعناهما المجازي الواسع. فالمواجهة المباشرة توفر حشداً سريعاً وتحديداً واضحاً للعدو، وتلبي رغبة دفينة في الصراع.

الظل النفسي وفخ الكوابيس السياسية المفتعلة

أخي الحبيب، هناك جزء في الشخصية يظل خفياً يُعرف بـ «الظل النفسي»، وهو الجانب المظلم والمكبوت الذي قد نخشاه، لكننا في الوقت ذاته قد ننجذب إليه دون أن ندري. هذا الظل يتجلى بوضوح في «الكوابيس»؛ فهي ليست مجرد إزعاج ليلي عابر، بل هي رغبات مكبوتة، أو مخاوف مدفونة، أو طاقات غضبية يرفض الوعي الاعتراف بها. وغالباً ما تقوم الأنظمة الشمولية والسياسيون على استثمار هذه الثغرة من خلال خلق «كوابيس سياسية» تتمثل في أعداء وهميين، وأزمات وجودية، وحروب أهلية محتملة.

الحذر من لعبة الخوف والتبعية السياسية

لذا، فإن الحذر كل الحذر موجه للشعوب: لا تدخلوا في لعبة الخوف، ولا تتبنوا الخطاب التخويفي إلا إذا كنتم مستفيدين منه حقاً أو وافق مزاجكم البائس العبودية والتبعية. إن الانجذاب للكوابيس سياسياً يترجم في النهاية إلى انجذاب الجماهير للسياسات التي تقمعهم أو تفقدهم حريتهم، لأنها تمنحهم شعوراً وهمياً بالأمان أو هوية جماعية زائفة تحميهم –زعماً– ضد «خطر أكبر».

خارطة طريق واعية ودعوة صارخة لليقظة 

في خارطة طريق واعية، ندرك أن الإنسان ليس دائماً كائناً يبحث عن الراحة والجمال والسلام، بل إن بعض أفراد البشر محكومون بدوافع نفسية وثقافية تجعلهم يجدون معناهم في المواجهة والخطر والصدام أكثر مما يجدونه في التعبير الفني والانسجام مع الحياة. من هنا تنطلق دعوتنا الصارخة لليقظة والمسؤولية الشخصية؛ فالكثير مما نشتكي منه ونعتبره كوابيس مفروضة علينا من الخارج –سواء كان ذلك نفسياً أو سياسياً أو اجتماعياً– قد يكون في حقيقته خياراً خفياً، أو انجذاباً مرضياً، أو استسلاماً مريحاً للظلام نرفض الاعتراف بشجاعة بوجوده داخلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى