يوميات وطن ينزف (38) المتطوعون في لبنان… الجيش الذي لا يرتدي زيًا عسكريًا
قلبي لبناني (8)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في صباح الخامس من أغسطس/آب 2020، وبعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على انفجار مرفأ بيروت، كانت شاحنات الإسعاف لا تزال تتحرك بين الشوارع، فيما كان الغبار يملأ السماء، والزجاج يغطي الأرصفة، وأصوات سيارات الإنقاذ تمتزج ببكاء من فقدوا أحباءهم. لكن وسط ذلك المشهد الذي بدا وكأنه خارج من فيلم عن نهاية العالم، حدث أمر لفت أنظار الجميع.
لم تكن الشوارع تمتلئ فقط برجال الإنقاذ والإطفاء، بل بآلاف المتطوعين من الشباب والفتيات، والطلاب، وربات البيوت، والأطباء، والمهندسين، والعمال، والكشافة، وحتى كبار السن حمل بعضهم المكانس، وآخرون المجارف، بينما حمل آخرون صناديق الطعام، أو عبوات المياه، أو الأدوية، أو البطانيات.
لم ينتظروا اتصالًا رسميًا، ولم يسألوا عن الجهة التي أرسلتهم، ولم يطلبوا مقابلًا كان يكفي أن تكون المدينة تناديهم.
وفي ذلك اليوم، أدرك العالم أن في لبنان جيشًا آخر جيشًا لا يرتدي زيًا عسكريًا ولا يحمل السلاح ولا يقف على الحدود لكنه يقف في مواجهة اليأس ذلك هو جيش المتطوعين.
التطوع في لبنان ضرورة إنسانية وثقافة مجتمعية
وربما لا توجد دولة في العالم تستطيع الاستغناء عن العمل التطوعي، لكن في لبنان، يتحول التطوع في كثير من الأحيان من عمل اختياري إلى ضرورة إنسانية، ومن مبادرة فردية إلى ثقافة متجذرة في المجتمع.
فاللبنانيون اعتادوا، عبر عقود طويلة، أن يجدوا أنفسهم أمام أزمات متلاحقة؛ حروب، واعتداءات عسكرية، وكوارث، وأزمات اقتصادية، وانهيارات مالية، ونزوح، وضغوط اجتماعية وفي كل مرة، كان هناك مشهد يتكرر بصورة تكاد تكون ثابتة.
قبل أن يهدأ الغبار، يبدأ المتطوعون في العمل.
ليس لأنهم يملكون حلولًا لكل شيء، بل لأنهم يؤمنون أن الإنسان لا ينبغي أن يترك وحيدًا في محنته.
ولعل أجمل ما يميز العمل التطوعي في لبنان أنه لا يعرف الفوارق.
- فالطبيب يقف إلى جوار الطالب.
- والمهندس يعمل مع العامل.
- والشاب يحمل الأثاث مع الرجل المسن.
- والمرأة تعد الطعام لمن لا تعرفهم كما لو كانوا أفرادًا من عائلتها.
في تلك اللحظات، تختفي كثير من الفوارق التي يصنعها الواقع، ويظهر وجه آخر للبنان؛ وجه الإنسان الذي يرى في خدمة الآخرين واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون نشاطًا اجتماعيًا.
وقد شهد العالم هذه الروح أكثر من مرة
فبعد انفجار مرفأ بيروت، وثقت وسائل الإعلام المحلية والدولية آلاف المبادرات التطوعية التي انطلقت بصورة عفوية.
فرق لتنظيف الشوارع، ومجموعات لترميم المنازل المتضررة، وأطباء قدموا العلاج مجانًا، وصيادلة وزعوا الأدوية، وأخصائيون نفسيون قدموا الدعم للأطفال والأسر التي عاشت الصدمة، وجمعيات أهلية نظمت حملات واسعة لتوزيع الغذاء والمستلزمات الأساسية.
ولم يكن الأمر مختلفًا خلال فترات التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي طالت مناطق لبنانية.
فكلما اضطرت عائلات إلى النزوح، كان هناك من يستقبلها في المدارس أو المراكز المجتمعية، ومن يجهز أماكن الإقامة المؤقتة، ومن يوزع الوجبات الساخنة، ومن يوفر الملابس والأغطية، ومن يرافق الأطفال حتى لا يشعروا بأنهم وحدهم في مواجهة الخوف.
إنها تفاصيل قد لا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها هي التي تحفظ كرامة الإنسان عندما تضيق به الظروف.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين تأتي هذه الروح؟
الجواب يبدأ من الأسرة
فالطفل اللبناني يتعلم منذ سنواته الأولى أن مشاركة الآخرين ليست تفضلًا، بل جزء من التربية.
يكبر وهو يرى والديه يقدمان الطعام لجار مريض، أو يساعدان أسرة مرت بظرف صعب، أو يشاركان في حملة خيرية داخل القرية أو الحي.
وهكذا، يصبح التطوع عادة يومية، لا مناسبة موسمية.
ثم تأتي المدرسة
فالكثير من المدارس والجامعات اللبنانية تشجع طلابها على المشاركة في الأنشطة المجتمعية، وزيارات دور الرعاية، وحملات التشجير، وتنظيف الشواطئ، وجمع التبرعات، ودعم الأسر المحتاجة.
وبمرور الوقت، تتحول هذه الأنشطة إلى جزء من شخصية الشباب.
إنهم لا ينتظرون أن يطلب منهم أحد المساعدة، بل يبحثون عنها.
ولا يقتصر التطوع في لبنان على أوقات الكوارث
فهناك آلاف المتطوعين الذين يعملون طوال العام في مجالات التعليم، ومحو الأمية، والرعاية الصحية، والبيئة، ورعاية كبار السن، ودعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والإرشاد النفسي، والحفاظ على التراث، وتنظيف المواقع الأثرية، وحماية الغابات من الحرائق.
إنهم يعملون بعيدًا عن الأضواء، لكن أثرهم يظهر في حياة آلاف الأشخاص.
وفي السنوات الأخيرة، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، اكتسب العمل التطوعي أهمية أكبر فقد وجدت كثير من الجمعيات نفسها أمام احتياجات إنسانية متزايدة، في وقت تقلصت فيه الموارد.
المتطوعون هم رأس المال الحقيقي
فهم الذين وفروا الوقت، والجهد، والخبرة، والابتسامة، قبل أن يوفروا المال، بل إن بعض المبادرات التي بدأت بمجموعة صغيرة من الشباب تحولت إلى مشاريع مجتمعية كبيرة، استطاعت أن تقدم خدمات لآلاف الأسر.
وهذا يؤكد أن قيمة التطوع لا تقاس بعدد المشاركين فقط، بل بقدرته على صناعة الأمل.
نساء لبنان في مقدمة صفوف المتطوعين
ولا يمكن الحديث عن المتطوعين دون التوقف عند دور المرأة اللبنانية.
ففي كل أزمة تقريبًا، كانت النساء في مقدمة الصفوف؛ يعدِدن الطعام، وينظمن حملات الإغاثة، ويقدمن الدعم النفسي للأطفال، ويجمعن التبرعات، ويشرفن على توزيع المساعدات، ويزرن المرضى، ويعملن لساعات طويلة دون أن ينتظرن كلمة شكر.
كما كان للشباب حضور استثنائي
فقد أثبتوا أن حب الوطن لا يكون بالشعارات فقط، بل بالعمل.
- رأيناهم يحملون الأنقاض بدلًا من رفع الأصوات.
- ويزرعون الأشجار بدلًا من نشر اليأس.
- ويرسمون على الجدران المتضررة لوحات تمنح الأطفال شيئًا من الأمل.
وكأنهم يقولون إن إعادة بناء الإنسان تبدأ قبل إعادة بناء الحجر.
ولم يقتصر دور المتطوعين على تقديم المساعدات المادية.
بل امتد إلى مداواة الجراح النفسية.
- فكم من طفل عاد إلى الابتسام بفضل نشاط ترفيهي نظمه متطوعون.
- وكم من مسن شعر بأنه لم يُنسَ عندما زاره شاب لا يعرفه.
- وكم من أم وجدت من يسمعها ويطمئنها في أصعب لحظات حياتها.
إن الكلمة الطيبة، والابتسامة، والإنصات، قد تكون أحيانًا أعظم من أي مساعدة مادية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في لبنان إلى أن الشراكة مع المتطوعين المحليين كانت عنصرًا أساسيًا في إيصال المساعدات إلى المجتمعات المتضررة، لأن هؤلاء المتطوعين يعرفون الناس، ويفهمون احتياجاتهم، ويملكون ثقتهم وهذا ما يجعلهم جزءًا لا غنى عنه في أي استجابة إنسانية.
لكن، ورغم كل ما يقدمونه، يبقى المتطوعون بشرًا يتعبون ويحزنون ويبكون أحيانًا بعيدًا عن أعين الناس.
فهم يشاهدون الألم عن قرب، ويحملون قصصًا يصعب نسيانها.
ومع ذلك، يعودون في اليوم التالي ليواصلوا عملهم، لأنهم يؤمنون أن الاستسلام لا يليق بمن اختار أن يكون عونًا للآخرين.
تأثير مزدوج للعمل التطوعي
ولعل أجمل ما في العمل التطوعي أنه لا يغير حياة من يتلقى المساعدة فقط، بل يغير حياة من يقدمها أيضًا.
فالإنسان الذي يمد يده لغيره، يكتشف أن العطاء لا ينقصه، بل يزيده غنىً من نوع آخر غنى لا يقاس بالمال، وإنما براحة الضمير، وبالإحساس بأن وجوده صنع فرقًا في حياة إنسان آخر.
لذلك، فإن المتطوعين في لبنان ليسوا مجرد أفراد يؤدون مهمة مؤقتة.
- إنهم نبض المجتمع عندما يمرض.
- وصوته عندما يعجز المتألم عن الكلام.
- ويده التي تمتد قبل أن يطلبها المحتاج.
إنهم يثبتون، في كل أزمة، أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بما تمتلكه من قلوب مستعدة لأن تحمل عن الآخرين شيئًا من أوجاعهم.
فقد تستطيع الكوارث أن تهدم بيتًا، وقد تترك الحرب شارعًا بلا ملامح، لكن ما دام هناك متطوع يحمل مكنسته بيد، ويزرع الأمل باليد الأخرى، فإن لبنان سيظل يجد دائمًا من يعيد إليه نبضه… لأن أعظم الجيوش ليست تلك التي تعرف كيف تخوض المعارك، بل تلك التي تعرف كيف تحمي الإنسان.
فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









