احدث الاخبار

بين نتنياهو وآيزنكوت: تنافس على رئاسة الحكومة واتفاق على حرب الابادة ورفض الدولة الفلسطينية

كتب / محرر الشئون الفلسطينية 

لا يقتصر التنافس المحتدم بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومنافسه السياسي والعسكري غادي آيزنكوت على صراع الوصول إلى سدة الحكم وحسب، بل يكشف عن أزمة هيكلية عميقة تعصف بالمنظومة السياسية الإسرائيلية برمتها في أعقاب صدمة السابع من أكتوبر 2023. تسلط هذه المواجهة الضوء على تباين الطرق واقتراب الغايات في إدارة الحرب المستمرة على قطاع غزة، ومستقبل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، والتعامل مع أفق التسوية الإقليمية والدولية؛ إذ يقدم آيزنكوت نفسه بوصفه بديلاً أكثر تنظيماً وكفاءة لإخراج إسرائيل من إخفاقاتها الاستراتيجية، بينما تكشف المواقف المعلنة للطرفين عن تطابق جوهر الرفض الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية، وتحديداً قيام دولة مستقلة ونزع سلاح المقاومة، مما يطرح تساؤلات مصيرية حول ما إذا كان التغيير المحتمل في رأس الهرم السياسي سيجلب تحولاً حقيقياً في السياسة أم سيقتصر على تجميل إدارة الاحتلال وصيغة الائتلاف الحاكم.

غزة.. تباين الوسائل وتطابق الأهداف في إنهاء المقاومة

يتناول الصراع بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت أزمة أعمق داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية حول إدارة الحرب على قطاع غزة ومستقبله. وفي حين يواجه نتنياهو انتقادات واسعة لعدم تحقيق هدف إنهاء حكم حركة حماس رغم الدمار الهائل والعمليات المستمرة، يحاول آيزنكوت استثمار هذا الإخفاق بتقديم نفسه قائداً عسكرياً كفؤاً يتعهد بإنهاء حكم حماس وتدمير جناحها العسكري خلال 18 شهرًا. ومع ذلك، لا يعكس هذا التعهد خطة شاملة للانسحاب أو إعادة الإعمار، بل يتقاطع جذرياً مع استراتيجية نتنياهو في جعل الشروط الأمنية الإسرائيلية ونزع السلاح المسبق شرطاً أساسياً لأي ترتيبات مدنية، مع إبقاء الخيار العسكري والسيطرة الأمنية في صدارة المشهد.

شروط نزع السلاح ومستقبل الإعمار والمعابر 

يحتل شرط نزع سلاح المقاومة موقعاً مركزياً في تصورات الطرفين لإبقاء الحرب مفتوحة أو مقيدة بشروط صارمة؛ فبينما يربط نتنياهو الانسحاب الكامل بتحقيق متطلبات أمنية غير محدودة زمنياً، يشترط آيزنكوت تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إتمام نزع سلاح حماس بالكامل وربط ذلك بقوة استقرار دولية. هذا التسلسل الأمني يجعل إعادة الإعمار وحرية الحركة وفتح المعابر وعودة النازحين رهينة للتقديرات والاشتراطات الإسرائيلية، مما يحرم الفلسطينيين من ضمانات حقيقية لإنهاء الاحتلال والسيطرة الأمنية المطلقة على مقدرات القطاع.

الإجماع على رفض الدولة الفلسطينية وتجاهل حق تقرير المصير

يكشف الموقف من الدولة الفلسطينية عن تطابق تام يتجاوز الخلافات الانتخابية الظاهرية؛ إذ يرفض الرجلان إقامة دولة فلسطينية مستقلة ويعتبران مبدأ «دولتين لشعبين» خطأً غير واقعي في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر. هذا الرفض المتبادل للحقوق الوطنية الفلسطينية وسيادة الشعب على أرضه يوضح أن أي تغيير في رأس السلطة الإسرائيلية لن يغير من جوهر المقارنة القائمة على إنكار حق تقرير المصير، بل سيقتصر على محاولات تجميل شكل السيطرة أو إدارة الاحتلال بصورة مختلفة تتناسب مع الحسابات السياسية للقيادة الجديدة.

الضفة الغربية والاستيطان.. تباين في الإدارة وليس في المبدأ

تظهر الخلافات الحقيقية بين نتنياهو وآيزنكوت بوضوح في ملف الضفة الغربية والاستيطان؛ فحكومة نتنياهو تعتمد على ايمين متطرف يدعم الضم والتوسع الاستيطاني الشامل، بينما يعارض آيزنكوت البؤر غير المرخصة ومشروع «E1» الاستراتيجي الذي يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها ويفصل القدس عن محيطها. كما يدعو آيزنكوت إلى ضبط اعتداءات المستوطنين للحد من الأضرار التي تتعرض لها مكانة إسرائيل الدولية. ورغم أهمية هذه الفروق في الحد من الانتهاكات اليومية بحق الفلسطينيين، إلا أنها لا تعني معارضة الاستيطان من حيث المبدأ أو القبول بإنهاء الاحتلال وإخلاء المستوطنات، بل ترتبط حصراً بضبط حدود التوسع لتفادي الأزمات الدبلوماسية.

التوازنات الحتمية للائتلافات الحكومية والحدود القصوى للوعود

تخضع قدرة أي رئيس حكومة مستقبلي في إسرائيل لتنفيذ برامجه لتعقيدات الائتلافات الحزبية والسياسية؛ فبينما يعتمد نتنياهو على أحزاب يمينية ودينية متشددة، يسعى آيزنكوت لتشكيل ائتلاف من الوسط واليمين واليسار المعدل. غير أن هذا التشكيل المحتمل لا يضمن تغييراً جذرياً في السياسات نظراً لتفاوت مواقف الأحزاب المشاركة ورفض الأطراف الرئيسية التحالف مع الأحزاب العربية. هذا الواقع يضع آيزنكوت أمام معادلة معقدة تضطره لتقديم تنازلات لشركائه، مما يقلص هامش المناورة ويجعل وعوده الانتخابية رهينة لشروط الائتلاف الحاكم ومطالبه الأمنية والسياسية.

إدارة العلاقات الدولية وتحسين صورة إسرائيل

يمثل التعامل مع الحلفاء الدوليين، وخاصة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، مساحة اختلاف أخرى في طريقة إدارة الأزمات؛ إذ تسبب استمرار الحرب والتوسع الاستيطاني في تراجع حاد بصورة إسرائيل وارتفاع الضغوط الدبلوماسية عليها. ويسعى آيزنكوت لترميم هذه العلاقات عبر إدارة أكثر انضباطاً تقلل الصدامات مع الشركاء الغربيين المتمسكين بحل الدولتين.

لكن تحسين الوجه الدبلوماسي لإسرائيل وتخفيف التوتر الخارجي لا يعني بحال من الأحوال إحداث تغيير ملموس في الواقع الإنساني والسياسي للفلسطينيين، طالما استمر رفض الحقوق الأساسية وتكريس منظومة الاحتلال والعدوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى