شئون عربيةليبيا

تحركات أمريكية لتنشيط الملف الليبي.. وتشكيك داخلي في جدوى “مبادرة بولس”

كتبت: د. هيام الإبس

تشهد الأزمة الليبية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع أطراف إقليمية، في محاولة لكسر الجمود السياسي المستمر منذ سنوات. ورغم هذا الزخم الدولي، تواجه هذه التحركات تشكيكاً واسعاً من قِبل قوى سياسية وبرلمانية ليبية، ترى أن أي مبادرة لن تحرز تقدماً حقيقياً ما لم تستند إلى توافق داخلي صلب يعالج الأزمات الهيكلية، وعلى رأسها توحيد المؤسسة العسكرية وتقاسم السلطة.

القاهرة تتمسك بالمسار “الليبي-الليبي” وترفض التقسيم

وفي إطار هذا الحراك، التقى وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس.

وخلال اللقاء، جدد عبد العاطي دعم القاهرة للجهود الأممية والدولية الرامية لتحقيق تسوية مستدامة، مؤكداً على الثوابت المصرية المتمثلة في:

  • الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية الليبية ورفض تقسيم البلاد.

  • إنهاء المراحل الانتقالية وتجنب إطالة أمدها.

  • التمسك بمسار “ليبي-ليبي” خالص يفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية وتتشريعية متزامنة لاستعادة الشرعية عبر الصناديق.

ويأتي هذا الموقف ليعزز السياسة المصرية المستقرة تجاه جارتها الغربية، نظراً للارتباط الوثيق بين استقرار ليبيا والأمن القومي المصري وأمن شمال أفريقيا.

انتقادات نيابية: مبادرة بولس “قفزة في الهواء”

في المقابل، واجهت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة انتقادات حادة من الداخل الليبي؛ إذ وصف عضو مجلس النواب، سالم قنيدي، المبادرة التي يقودها مسعد بولس بأنها “تفتقر إلى رؤية واضحة” وعبارة عن “قفزة في الهواء”.

وأوضح قنيدي أن معضلة توحيد الجيش لا تزال طرحاً نظرياً يصطدم بالواقع؛ حيث تمثل الخلافات حول تسمية “رئيس الأركان العامة” العقبة الأبرز نتيجة التوازنات المعقدة بين الشرق والغرب، مشدداً على أن حل هذا الملف مرتبط بتفاهمات أوسع تشمل شكل السلطة التنفيذية المقبلة وتوزيع النفوذ.

جدل حول “حكومة جنيف” وغياب الشرعية

وعلى صعيد موازٍ، أثار اجتماع عُقد في مدينة جنيف السويسرية وأسفر عن اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لحكومة جديدة، موجة من الرفض.

وفي هذا الصدد، انتقد الباحث الليبي عمر الجبالي العبيدي هذا التحرك، واصفاً إياه بـ “المفتقر للشرعية القانونية والسياسية”. وأشار العبيدي إلى أن المشاركين في الاجتماع لا يملكون ثقلاً على الأرض أو قاعدة شعبية تؤهلهم لتقرير مصير البلاد، فضلاً عن غياب التنسيق مع القوى العسكرية والسياسية الفاعلة.

كما انتقد تجاهل الاجتماع للدور المحوري لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة (وعلى رأسها القرار 2510)، مؤكداً أن مثل هذه المسارات الموازية تظل غير قابلة للتطبيق عملياً.

أبعاد الاهتمام الدولي ومستقبل التسوية

يعكس الزخم الأمريكي المتجدد مخاوف دولية متزايدة من تداعيات استمرار الانقسام الليبي على أمن منطقة شمال أفريقيا والساحل، لا سيما في ملفات:

  1. مكافحة الإرهاب.

  2. أمن الطاقة وإمداداتها.

  3. تدفقات الهجرة غير النظامية.

خلاصة المشهد: يبقى نجاح أي حراك دبلوماسي مرهوناً بمدى قدرته على تجاوز المسارات المنفردة وبناء توافق حقيقي بين القوى النافذة على الأرض. وستكشف الفترة المقبلة ما إذا كانت التحركات الراهنة ستنجح في صياغة حل عملي ينهي المراحل الانتقالية، أم ستنضم إلى قائمة المبادرات السابقة التي تحطمت على صخرة التعقيدات الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى