ثورة تكتيكية بهوية مصرية.. كيف أعاد “العميد” حسام حسن صياغة شخصية الفراعنة في المونديال؟

بقلم: حسن السعدني
في مشهد كروي مهيب يعيد رسم ملامح كرة القدم الحديثة، يخط المنتخب المصري الأول فصلاً استثنائياً وغير مسبوق في تاريخ مشاركاته ببطولة كأس العالم 2026. يقدم الفراعنة في هذا المونديال نموذجاً تكتيكياً مبهراً يؤكد أن التفوق الفني داخل المستطيل الأخضر لم يعد حكراً على المدارس الأوروبية أو اللاتينية العريقة، بل باتت “الهوية الوطنية” قادرة على صناعة الفارق التاريخي متى اقترنت بالعلم، والتحليل، والتخطيط الصارم.
مشروع رياضي متكامل بدعم ورعاية القيادة السياسية
إن ما يقدمه منتخب مصر في المونديال ليس مجرد طفرة نتائج مؤقتة أو وليدة الصدفة، بل هو الانعكاس المباشر لمشروع رياضي وفني متكامل يحظى باهتمام ودعم بالغ من القيادة السياسية، وتوجيهات مباشرة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتطوير المنظومة الرياضية المصرية بكافة أركانها. ويقود هذا المشروع على أرض الواقع جهاز فني مصري خالص بنسبة 100% بقيادة “العميد” حسام حسن، الذي نجح بامتياز في تحويل الطموح الجماهيري والشغف الشعبي إلى أداء تكتيكي منظم يفرض احترامه على كبار منتخبات العالم.
من الحماسة النمطية إلى المنظومة الرقمية والتكتيك الحديث
طالما عِيبَ على المدرب الوطني في الفترات السابقة الاعتماد فقط على الشحن المعنوي، والروح القتالية، والحماس الجماهيري، لكن تجربة التوأم الأسطوري (حسام وإبراهيم حسن) كسرت هذه الصورة النمطية تماماً. فقد تطور العمل الفني مع الفراعنة إلى منظومة احترافية متكاملة تعتمد بشكل أساسي على:
-
التحليل الرقمي وفيديو الأداء: قراءة بيانات المنافسين بدقة متناهية لتطوير الأداء الجماعي.
-
الاستحواذ الإيجابي: السيطرة على الكرة في مناطق النفوذ لخلخلة الدفاعات وخلق الفرص، بدلاً من التدوير السلبي.
-
الضغط العكسي المنظم: استعادة الكرة في أسرع وقت ممكن وخنق المنافسين لمنع بناء الهجمات المرتدة.
-
التحول الهجومي السريع: ديناميكية فائقة في الانتقال من الحالة الدفاعية إلى الهجوم بأقل عدد ممكن من اللمسات.
رقعة شطرنج العميد.. إعادة اكتشاف النجوم وتوظيف الأوراق
أبرز ما يُحسب للجهاز الفني الحالي لمنتخب مصر هو الشجاعة التكتيكية الكبيرة في إعادة توظيف أوراق الفريق بما يخدم المنظومة الجماعية لا الأفراد، وظهر ذلك جلياً في ثلاثة محاور رئيسية:
1. تحرير النجم الأول محمد صلاح
تحول دور الأسطورة محمد صلاح من جناح تقليدي كلاسيكي مقيد بخط التماس، إلى “صانع لعب حر” ($Free\text{ }Playmaker$) يتحرك بذكاء في عمق الملعب وخلف المهاجمين. هذا التعديل التكتيكي منح صلاح مساحة أكبر للإبداع والرؤية الفنية، وجعله العقل المدبر الحقيقي للهجمات دون أن يفقد خطورته التهديفية المرعبة أمام المرمى.
2. حركية ومرونة خط الوسط بقيادة إمام عاشور
قدم النجم إمام عاشور في مباريات المونديال نموذجاً متكاملاً للاعب الوسط الحديث ($Box-to-Box$)؛ بفضل مرونته الفائقة في الربط السريع بين الصلابة الدفاعية والانطلاقات الهجومية المؤثرة، ليتحول إلى “الرئة” الحقيقية التي يتنفس بها الفريق في خط الوسط.
3. رهانات الشباب وصناعة جيل للمقبل
تمثلت شجاعة “العميد” في الدفع بالعناصر الشابة الواعدة مثل (زيكو، صابر، وهيثم) في توقيتات حاسمة ومعقدة من مباريات المونديال، وهي خطوة تعكس سياسة الإحلال والتجديد التدريجي الذكي. كما أن إشراك الموهبة الصاعدة “حمزة عبد الكريم” يثبت بالأدلة أن هذا المشروع لا يستهدف طفرة مؤقتة في بطولة واحدة، بل يؤسس لمرحلة ممتدة الأثر للكرة المصرية.
ملامح المدرسة الكروية المصرية الجديدة
إن ما يقدمه المنتخب الوطني اليوم يتجاوز حدود التنافس على بطاقة تأهل أو مركز شرفي في المحفل العالمي؛ إنه يعلن رسمياً عن ميلاد مدرسة كروية مصرية حديثة، قادرة على مقارعة عمالقة اللعبة دون أن تتخلى عن هويتها وشخصيتها الفريدة في الملعب. هي تجربة ملهمة تؤكد أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية، حين يُدعم بالعلم، والبيانات، والصبر الجماهيري، يمكنه أن يقود الكرة المصرية إلى آفاق عالمية غير مسبوقة. إنها ثورة كروية بنكهة مصرية خالصة.. عنوانها الواقعية، وركيزتها العمل، وغايتها البقاء دائماً في القمة.
الخبير التربوي حسن السعدني






