حوار مع الملك … ” قصة قصيرة”
بقلم : حسن السعدني
لم أكن أتوقّع أن ألقاه. لكنني وجدته هناك، جالسًا على مقعدٍ خشبي متهالك، يطلّ على ملعبٍ بدا وكأنه نسيَ طعم الحياة. كان الصمت ثقيلاً، يلفُّ المدرجات الخاوية كما يلفُّ الحزن قلباً كسيراً.
اقتربتُ منه بحذر، وكأنني أقترب من أسطورة.
قلتُ بصوتٍ خافت:
أيها الملك… هل يمكنني أن أسألك؟
رفع نظره ببطء. لم تكن في عينيه ابتسامة، بل كان فيهما تعبُ مَن رأى ما لا يُرى. قال بنبرةٍ تشبه أنين السنين:
سل.
جلستُ بجواره، وأدركتُ أنني لا أجلس مع لاعب كرة، بل مع شاهدٍ على عصرٍ كامل. ترددتُ، ثم سألت:
هل ما زالت كرة القدم تلك اللعبة التي تُحسم داخل الخطوط البيضاء؟
تنهد ببطء، وكأن السؤال استدعى آلاف الذكريات المؤلمة. قال:
داخل الخطوط… ربما. لكن خارجها
لا أحد يعدك بشيء. فالمال، الرعاة، الضغوط… تلك هي خيوط اللعبة التي تُدار من خلف الستار. إنها “اللاعب الخفي”.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي:
وهل يغيّر هذا اللاعب الخفي النتيجة؟
أجاب بمرارة:
النتيجة لا تُشترى دائماً، ولكن الطريق إليها… غالباً ما يكون ملطخاً٠٠٠
فجأة، دوّت صفارة حادة، لا كصوت حكم، بل كأنها أمرٌ كونيّ. أضيئت الأضواء في الزوايا المظلمة، ضجّت المدرجات بهتافاتٍ لا جسد لها، وتجسّد الزمن أمام عينيّ. مباراة بين مصر والأرجنتين. كان كل شيء حقيقياً بشكلٍ مربك.
هجمةٌ مصرية سريعة، اندفاعٌ داخل المنطقة، احتكاكٌ عنيف… سقط حمدي فتحي.
تجمّد الزمن. ارتفعت الأصوات بالاحتجاج، وتشابكت الأيدي، وصار الهواء ثقيلاً بالتوتر.
لمحتُه.
كان ظلاً لا ينتمي لأحد، يتحرك ببرودٍ وسط الفوضى. مرّ بجانب الحكم، لم يلمسه، لكنه وضع يده على الكفّة.
ثوانٍ قليلة، أشار الحكم: “لا شيء”.
استمر اللعب، وجاء هدف الأرجنتين كخنجرٍ في صدر الواقع.
التفتُّ إليه بذهول:
رأيت؟ لقد غيّر كل شيء
قال الملك بهدوءٍ يحمل وجعاً:
هو لم يغيّر النتيجة، هو فقط رجّح كفّة على أخرى. أما النتيجة
فالبشر هم من يكتبونها بضعفهم.
سألتُه والأسى يغمرني:
أين العدالة إذن؟
فأجاب : العدالة ليست دائماً حيث نبحث عنها.
فرددت : وكيف يعيش المرء داخل هذا كله دون أن ينكسر؟
أطرق ملياً، ثم قال:
لا أحد يخرج سليماً تماماً.
قلت : والمبادئ؟
ابتسم بمرارة:
في بلادنا فقط،
صمتنا طويلاً، حتى سألتُه والفضول ينهشني:
أليس هناك من شيء نتمسك به؟
مال نحوي، وهمس بصوتٍ لم يكن ليسمعه أحد غيري:
اختيارك… عندما لا يراك أحد.
لكن ما الفائدة إذا كان “اللاعب الخفي” يحضر دائماً؟
أجابني بثقة :
الفائدة أنّه… لا يستطيع أن يلعب مكانك.
قلت : وماذا عن الخسارة؟
نظر إلى الملعب الفارغ وقال:
الخسارة الحقيقية ليست في النتيجة، بل في أن تصبح… مثلهم.
نهض فجأة، وبدأ يبتعد.
سألته إلى أين؟
فالمباراة لم تنتهِ بعد.
توقف دون أن يلتفت ثم قال : :
أنا لا أتحدث عن تلك المباراة .
مضى واختفى، وبقيتُ وحدي والملعب. وضعتُ قدمي على خط التماس، وللمرة الأولى، شعرتُ أنني دخلتُ الملعب فعلاً. لكنني، حتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف… في أي فريقٍ ألعب.
قراءة موجزة في قصة “حوار مع الملك”
تقدّم هذه القصة نصًا رمزيًا يتجاوز عالم كرة القدم ليطرح أسئلة عميقة عن العدالة والاختيار الإنساني. فالملك ليس مجرد لاعب، بل صوت الحكمة، بينما يجسّد “اللاعب الخفي” قوى النفوذ غير المرئية التي تؤثر في مسار الحياة.
وقد اعتمد النص على الحوار لكشف صراع داخلي بين القيم والواقع، حيث تبدو العدالة غائبة أحيانًا، ويصبح الإنسان مسئولًا عن اختياراته حتى في عالمٍ مضطرب. وتؤكد القصة أن الخسارة الحقيقية ليست في النتيجة، بل في فقدان المبادئ.
ثم تنتهي القصة بسؤال مفتوح يضع القارئ أمام ذاته: في أي فريق نلعب داخل هذه الحياة؟
أبرز الدروس و العِبر المستفادة من القصة :
١- الواقع ليس كما يبدو، فالحياة عمومًا لا تُدار فقط بما نراه، بل بما يُخفى عنا أيضًا.
٢- هناك عوامل قد لا تغيّر النتائج مباشرة، لكنها ترجّح الكفّة وتؤثر في المسار.
٣-. المسئولية الفردية لا تسقط رغم وجود هذه القوى فالإنسان سيظل مسئولًا عن أفعاله
٤- القرار الأخلاقي يظل بيدك
٥- العدالة ليست مطلقة دائما
٦- القيم الحقيقية تُقاس في الخفاء، لا أمام الناس.
٧- الخسارة الحقيقية أخلاقية وليست مادية
٨- الحياة تترك أثرها على الجميع، لكن الفرق في مقدار التنازل الذي يقبله الإنسان.
الخبير التربوي حسن السعدني




