حين يتحول الخلاف إلى اعتداء: ماذا يحدث لمنظومة القيم؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في كل مجتمع متحضر، قد تنشأ الخلافات والاعتراضات وسوء الفهم بين الأفراد والمؤسسات، لكن ما يحدد مستوى تحضر المجتمع ليس غياب الخلاف، بل الطريقة التي يتم بها التعامل معه. فحين يتحول الاعتراض إلى سب أو تهديد أو اعتداء، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف عابر، بل تصبح مؤشرًا على أزمة أعمق تمس منظومة القيم ذاتها.
وقد أعادت واقعة الاعتداء على طبيبة أسنان بسبب خلاف حول ضرس مخلوع طرح تساؤلات مهمة تتجاوز حدود الواقعة نفسها: هل أصبح العنف وسيلة مقبولة للحصول على الحقوق؟ وهل تراجع احترام التخصص وأصحاب المهن أمام ثقافة الانفعال والغضب؟
بين حق الشكوى ورفض التجاوز
لا أحد ينكر حق أي مريض في الاستفسار أو الاعتراض أو تقديم شكوى إذا شعر بوجود خطأ أو تجاوز. فالقانون واللوائح المهنية وحقوق المرضى جميعها تكفل هذا الحق، لكن ما لا يمكن قبوله أو تبريره هو الانتقال من مساحة الحوار والاعتراض إلى مساحة الاعتداء اللفظي أو الجسدي. فحين يحدث ذلك، لا يصبح الحديث عن خلاف طبي أو إداري، بل عن سلوك مرفوض يهدد قواعد التعايش والاحترام المتبادل داخل المجتمع.
احترام المنظومة الطبية مسؤولية مجتمعية
يقف الأطباء وأطقم التمريض والعاملون في القطاع الصحي في الصفوف الأولى لحماية صحة المواطنين، ويؤدون أدوارًا إنسانية ومهنية شديدة الحساسية. ومن الطبيعي أن تحدث خلافات أو سوء تفاهم داخل أي منظومة خدمية، لكن هذه الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للإساءة أو الاعتداء.
فالاعتداء على طبيب أثناء أداء عمله لا يمس شخصًا بعينه فقط، بل ينعكس على شعور العاملين في القطاع الصحي بالأمان والاحترام، ويؤثر في بيئة العمل التي يفترض أن تقوم على الثقة والتعاون.
الإعلام بين التوعية وترسيخ القيم
هنا يبرز دور الإعلام الحقيقي، ليس فقط في نقل الوقائع، بل في ترسيخ ثقافة احترام القانون والمؤسسات والتخصصات المهنية.
فالإعلام مسؤول عن التأكيد على أن الحقوق تُسترد عبر القنوات القانونية، وأن الخلافات تُحل بالحوار والإجراءات المنظمة، لا بالصوت المرتفع أو التهديد أو العنف.
كما أن التغطية الإعلامية الواعية يجب أن تسهم في نشر ثقافة الاحترام المتبادل، وألا تسمح بتطبيع مشاهد الاعتداء أو التعامل معها باعتبارها رد فعل طبيعيًا للخلافات اليومية.
فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود خلاف، وإنما في الطريقة التي نختار بها التعامل معه.
دفاع عن القانون لا عن الأشخاص
في النهاية… التضامن مع الطبيبة في هذه الواقعة لا يرتبط فقط بالدفاع عن شخص تعرض للاعتداء، بل بالدفاع عن مبدأ أساسي يقوم عليه أي مجتمع منظم: احترام الإنسان أثناء أداء عمله، واحترام القانون باعتباره الطريق الوحيد لحل النزاعات.
فإذا كان من حق أي فرد أن يعترض أو يشتكي، فليس من حق أحد أن يحول الخلاف إلى اعتداء. لأن المجتمعات التي تحمي أصحاب المهن وتحترم التخصصات هي وحدها القادرة على الحفاظ على تماسكها وقيمها في مواجهة الفوضى والانفعال.
