أراء وقراءات

حين يصبح الجدل صناعة.. من يصنع الرأي العام على المنصات؟

بقلم/ دكتورة هناء خليفة

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحات يتبادل فيها الناس الآراء والأفكار، بل تحولت إلى ساحات واسعة تُصنع فيها القضايا، وتُوجَّه من خلالها النقاشات، وتتشكّل عبرها مواقف واتجاهات قد تمتد آثارها إلى الواقع خارج الشاشات. 

ففي كل يوم، تتصدر قضية المشهد، وتتحول إلى حديث الآلاف، وتشتعل حولها النقاشات بين مؤيد ومعارض، بينما تختفي قضايا أخرى لا تقل أهمية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه. وهنا يبرز سؤال مهم: هل يتحدد اهتمام المجتمع بما يستحق فعلًا أن يشغله، أم بما تنجح المنصات في وضعه أمامه؟

لقد أصبح الجدل في البيئة الرقمية أكثر من مجرد اختلاف في وجهات النظر؛ ففي أحيان كثيرة يتحول إلى وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار وصناعة التأثير.

*من يحدد ما الذي نتحدث عنه؟

في الماضي، كانت وسائل الإعلام التقليدية تؤدي دورًا رئيسيًا في تحديد أولويات النقاش العام، من خلال اختيار الموضوعات التي تتصدر نشراتها وصفحاتها. أما اليوم، فقد اتسعت دائرة صناعة الأجندة الإعلامية، ولم يعد التأثير حكرًا على المؤسسات الصحفية والقنوات التلفزيونية.

أصبح صانع المحتوى والمؤثر الرقمي والصفحات واسعة الانتشار، وحتى المستخدم العادي، أطرافًا قادرة على دفع قضية إلى واجهة الاهتمام العام.

لكن اتساع هذه الدائرة لا يعني بالضرورة أن النقاش أصبح أكثر وعيًا أو توازنًا؛ فالقضية الأكثر انتشارًا ليست دائمًا الأكثر أهمية، والرأي الذي يصل إلى أكبر عدد من المستخدمين ليس بالضرورة الأكثر دقة أو عمقًا.

*الخوارزميات.. الطرف الخفي في معركة التأثير

لم تعد الموضوعات التي تظهر أمام المستخدم نتيجة اختيار عشوائي، بل تتدخل أنظمة التوصية في ترتيب المحتوى وفق اهتمامات المستخدم وأنماط تفاعله وسلوكه السابق.

وهنا تظهر قوة الخوارزميات؛ فهي لا تكتفي بعرض ما ينشره الآخرون، بل تشارك في تحديد ما يحظى بفرصة أكبر للظهور والانتشار.

وقد يؤدي التركيز على المحتوى الذي يحقق تفاعلًا مرتفعًا إلى تعزيز انتشار الموضوعات المثيرة للجدل، خاصة تلك التي تستثير الغضب أو الخوف أو الانحياز. فالعنوان الصادم أو المقطع المستفز قد يجذب تفاعلًا أكبر من محتوى هادئ يحتاج إلى قراءة وتفكير.

وبذلك لا يصبح التحدي في كثرة المعلومات المتاحة، بل في معرفة الآليات التي تحدد أي معلومات تصل إلينا، وأي قضايا تستحوذ على انتباهنا.

*حين يتحول الاختلاف إلى معركة

الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية في أي مجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش إلى صراع، ويصبح الهدف هو الانتصار على الطرف الآخر لا فهم وجهة نظره.

تنتشر العبارات الحادة، وتُقتطع التصريحات من سياقها، وتُختزل القضايا المعقدة في أحكام سريعة، بينما يتراجع الحوار العقلاني أمام الرغبة في الرد والهجوم.

وتسهم غرف الصدى الرقمية في تعميق هذه الحالة؛ إذ يجد المستخدم نفسه محاطًا بآراء متشابهة تعزز قناعاته، أو بمحتوى يستفزه ويزيد شعوره بالعداء تجاه المختلفين معه.

ومع تكرار هذا النمط، قد يعتقد كل طرف أن موقفه يمثل رأي الأغلبية، فتتسع المسافة بين فئات المجتمع، حتى في القضايا التي يمكن أن تجمعها مساحات مشتركة من التفاهم.

*الجدل الذي يصنع الشهرة ويستهلك الوعي

بالنسبة لبعض صناع المحتوى، أصبح الجدل طريقًا مختصرًا إلى الشهرة. فكلما ارتفعت حدة التصريحات وزادت مساحة الاستفزاز، اتسعت فرص الانتشار، وتحولت المشاهدات والتعليقات إلى مكاسب معنوية أو مادية.

وقد يصل الأمر إلى إثارة قضايا من زوايا مبالغ فيها، أو طرح آراء صادمة لمجرد جذب الانتباه، أو استغلال الأحداث الإنسانية والاجتماعية في صناعة محتوى سريع الانتشار.

والخطورة لا تتعلق فقط بانتشار محتوى ضعيف أو مضلل، بل بما يترتب عليه من إعادة ترتيب اهتمامات الجمهور، واستنزاف طاقته في معارك جانبية على حساب قضايا أكثر أهمية وتأثيرًا في حياته.

فحين يصبح الجدل غاية في حد ذاته، تتراجع قيمة المعرفة، ويصبح الصخب أكثر حضورًا من الحقيقة.

*من يصنع الرأي العام.. ومن يتحمل المسؤولية؟

لم يعد تشكيل الرأي العام مسؤولية جهة واحدة؛ فهو نتاج تفاعل معقد بين المؤسسات الإعلامية، وصناع المحتوى، والمنصات الرقمية، والخوارزميات، والجمهور نفسه.

ولذلك لا يكفي أن نحمّل التكنولوجيا وحدها مسؤولية ما يحدث، أو نعتبر المستخدم مجرد متلقٍ سلبي. فالجمهور يمتلك أيضًا قدرة على الاختيار والتحقق والمشاركة الواعية، أو الامتناع عن منح المحتوى المضلل مزيدًا من الانتشار.

وهنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والرقمية، التي لا تقتصر على تعليم الأفراد كيفية استخدام المنصات، بل تمتد إلى تنمية قدرتهم على تحليل الرسائل، وفهم أهدافها، والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين النقاش الحقيقي والاستفزاز المتعمد.

                                                                                                                            *وفي زمن المنصات الرقمية، لم تعد المعركة فقط على امتلاك المعلومة، بل على امتلاك الانتباه وتوجيه النقاش وتشكيل الوعي.*

 

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

زر الذهاب إلى الأعلى